لم يمر على لبنان في تاريخه القريب والبعيد مسؤول يقدِّم مصالحه الخاصة على مصلحة لبنان كما جبران باسيل، ومن مساوىء الصدف أن يغدو الخواء الفكري والثقافي منصة لأغراض مغلفة بتوجهات سياسية شوهاء، تريد القبض على كل مفاصل الدولة، وعلى حساب الدولة، أغراض محكومة بوهم القوة، والقوة في لبنان عملة منتهية الصلاحية، حتى وإن امتلك أي فريق سلاحا نوويا، أو قادته الصدفة ليحظى بعدد نواب أكبر، فالقوة هنا مجرد وهم، والوهم ربما يقود إلى مغامرة الحرب، كاحتمال يترسخ أكثر من أي وقت مضى، خصوصا وأن لبنان يعيش اليوم في حاضرة الفوضى.
"القوة" في لبنان عبء على من يدعيها، سلاحا ومواقف، وتفضي إلى الخسارة بالضرورة، ومن غريب الصدف أن نجد الخاسرين اليوم هم "الأقوياء" حصرا، وهنا مكمن الخوف، فساعة يستشعر "القوي" خطرا يتهدد قوته المتخيلة، لا يتورع عن جر البلد إلى مغامرة الحرب، ظنا منه أن "القوة" تعيد هالة حضوره الضائعة، خصوصا وأن "المقدسات" اللبنانية سقطت جميعها، ولم تعد ثمة زعامات فوق النقد، وبمعنى آخر، بات العالم يتطور بسرعة في فضاء إعلامي مفتوح ومعولم، ألغى وإلى الأبد مفهوم الزعامة بمداها التقليدي، لصالح مفاهيم متقدمة وهي في لبنان بطور التبلور، وإن تطلب الأمر مزيدا من الوقت، في سيرورة الإرتقاء المعرفي.
وفي لبنان أيضا، بدأت تسقط الزعامة "الكاريزماتية"، خصوصا تلك الممثلة لطائفة ومذهب، وسقط معها "المقدس" وطنيا، فعندما تقود "القوة" المتخيلة إلى تعطيل الدولة والمؤسسات، فذلك يعني أننا نعيش آخر تجليات "القوة"، ما يستدعي الخوف من تكرار جريمة الحرب باللبنانيين وعلى اللبنانيين وفي مـا بينهم، وهنا لا بد من التذكير أننا، وفي حدود معينة، نعيش ممهدات الحرب، وهذه حقيقة مرعبة وصادمة.
وسط قتامة المشهد، يبدو باسيل الأكثر قدرة على الإنتحار سياسيا، والأخطر في هذا المجال حين يكون الإنتحار طوعيا، وبحمولة زائدة من الوهم والخواء، فكرا وسياسة!





