رأي

زلزال في بعبدا: لبنان يكسر القيد الدبلوماسي ويطرد السفير الذي لم يُعتمد

منذ أيام تم إقرار طرد السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، ما يتطلب تشريحاً دقيقاً يجمع بين المادة القانونية (اتفاقية فيينا) والواقع السياسي المتفجر في لبنان، ومنها حول السفير الذي تم "تعيينه" ولم يتم "اعتماده"


أولاً: لغز "أوراق الاعتماد" والأثر القانوني


النبأ الذي يتحدث عن أن السفير لم يقدم أوراق اعتماده صحيح ومؤكد، فقد وصل الشيباني إلى بيروت كـ "سفير مُعيّن" (Ambassador-designate) وكان ينتظر تحديد موعد له في قصر بعبدا لتقديم أوراق اعتماده لرئيس الجمهورية.


قانونياً (اتفاقية فيينا 1961): استندت وزارة الخارجية اللبنانية إلى المادة 9 من الاتفاقية، التي تمنح الدولة المضيفة الحق في إعلان أي رئيس بعثة أو عضو فيها "شخصاً غير مرغوب فيه" (Persona non grata)  في أي وقت، دون الحاجة لتقديم تبرير، والأهم: حتى قبل وصوله أو تقديمه لأوراق اعتماده.


الوضعية القانونية: بما أنه لم يقدم أوراق اعتماده، فهو لم يباشر مهامه رسمياً كـ "رئيس بعثة"، لكنه يتمتع بـ "الموافقة المسبقة" (Agrément) التي منحتها له الدولة اللبنانية عند تسميته. ما فعله لبنان هو سحب هذه الموافقة وإلغاء مفاعيلها، مما يجرده من أي غطاء دبلوماسي مستقبلي ويحوله إلى مواطن أجنبي عادي تنتهي مهلة إقامته يوم الأحد المقبل.


ثانياً: التداعيات السيادية (فك الارتباط أم مناورة؟)


السؤال الجوهري: هل بدأ لبنان فعلياً بفك الارتباط العضوي مع المحور الإيراني؟


هذه المرة الأولى منذ عقود التي تتجرأ فيها "الدولة" اللبنانية (ممثلة بالخارجية) على اتخاذ إجراء "زجري" ضد طهران، والقرار لم يكتفِ بطرد السفير، بل شمل استدعاء السفير اللبناني من طهران للتشاور، وإلغاء العمل بقرار "إعفاء الإيرانيين من تأشيرة الدخول"، وهي خطوات متسلسلة تشير إلى رغبة في استعادة "النّــدّية" المفقودة.


وتوقيت القرار مرتبط بـ "سياسة الدولة" الجديدة التي يحاول الرئيس نواف سلام تثبيتها، والقائمة على حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الشرعية فقط.


المؤشر التكتيكي (الضغط الأمريكي):


تتزامن هذه الخطوة مع "هدنة ترامب" وضغوط واشنطن لتجفيف منابع نفوذ طهران في المتوسط كشرط لإعادة الإعمار.


يرى خصوم القرار (حزب الله وحركة أمل) أن ما حدث هو "انصياع لإملاءات عوكر" (السفارة الأميركية)، ويهدف لإعطاء ترامب "إنجازاً دبلوماسيا" output يسهّل تمرير الهدنة بشروطه.


ثالثاً: "القطبة المخفية" في الصراع الداخلي


القرار فجّر أزمة دستورية عميقة داخل لبنان:


فريق بعبدا والسرايا: هناك تقارير تشير إلى أن رئيس الجمهورية (جوزاف عون) تفاجأ بـ "سحب الاعتماد" بدلاً من "الإنذار"، مما يعكس تخبطاً أو "انقلاباً دبلوماسياً" قاده وزير الخارجية يوسف رجّي بالتنسيق مع أطراف دولية.


الموقف الإيراني: طهران تعتبر أن شيباني "محصن" سياسياً بوجود حلفائها في السلطة، وطلبه المغادرة هو إهانة مباشرة لـ "الحرس الثوري" الذي يدير العمليات ميدانياً، ولذلك جاء الرد بصواريخ اعتراضية فوق كسروان كرسالة أمنية واضحة.


وإليكم "الخط الزمني" (Timeline) الذي يوضح مسار التصادم الذي أدى إلى طرد السفير الإيراني، وكيفية تحول العلاقة من "التبعية" إلى "المواجهة الدبلوماسية":


التسلسل الزمني للأزمة (2025 - 2026)


بدأ مسار التصادم الدبلوماسي بين بيروت وطهران يأخذ منحىً تصاعدياً منذ آب/أغسطس 2025، حين وضع الرئيس اللبناني لاريجاني أمام معادلة "السيادة المتبادلة" كشرط لأي تعاون مستقبلي. ومع حلول تشرين الأول/نوفمبر من العام نفسه، ترجمت الدولة اللبنانية هذا التوجه برفض عروض استثمار إيرانية في قطاعي الطاقة والدواء تحسباً للعقوبات الدولية، مما عكس رغبة لبنانية مبكرة في التمايز عن المحور الإيراني.


وصلت الأزمة إلى ذروتها في مارس/آذار 2026 مع وصول محمد رضا شيباني بصفة "سفير مُعيّن"، وبدلاً من التزام الأصول البروتوكولية، شرع شيباني في عقد لقاءات حزبية مكثفة قبل تقديم أوراق اعتماده في قصر بعبدا، مما دفع وزير الخارجية يوسف رجّي في 24 آذار إلى إعلان سحب اعتماده فوراً واعتباره "شخصاً غير مرغوب فيه". وفي اليوم التالي، جاء الرد الإيراني مزدوجاً، سياسياً عبر رفض بري للقرار، وميدانياً عبر رسالة صاروخية فوق كسروان، لتؤكد أن "القطبة المخفية" في طرد سفير لم يُعتمد بعد، هي معركة كسر إرادات بين "دولة" تحاول استعادة هيبتها و"محور" يرفض التراجع.


تعتبر خطوة طرد السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، منعطفاً حاداً يضع لبنان أمام جملة من التداعيات المصيرية التي تتأرجح بين استعادة السيادة وخطر الانفجار الداخلي.


التداعيات


أولاً: الانقسام الداخلي وشبح "بوسطة عين الرمانة"


التداعيات الفورية بدأت تظهر في الشارع والسياسة؛ فبينما يرى فريق سيادي أن القرار "ضرورة" لفك ارتهان الدولة، حذر الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) من أن الخطوة تفتقر للحكمة وتفتح أبواب الفتنة، فالتحذيرات من "أزمة وطنية" ليست مجرد خطاب، بل قد تترجم إلى انسحاب وزراء الثنائي من حكومة نواف سلام، مما يفقدها ميثاقيتها ويدخل البلاد في شلل دستوري كامل في ذروة الحرب.


ثانياً: الميدان.. الرسائل الصاروخية بدلاً من الدبلوماسية


القطبة المخفية في هذا الصراع هي أن طهران، التي فقدت "جسرها الدبلوماسي" في بيروت، قد تلجأ لتثبيت وجودها عبر "الجسور العسكرية". اعتراض الصاروخ فوق كسروان كان أولى هذه الرسائل، وهو بمثابة إعلان بأن حصر السلاح أو تحجيم النفوذ الإيراني لن يمر دون كلفة أمنية باهظة تطال المناطق التي كانت تُصنف "آمنة"، مما يجعل الهدنة المقترحة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.


ثالثاً: "هدنة ترامب" تحت المقصلة


ارتبط قرار الطرد زمنياً بـ "مهلة الـ 5 أيام" التي وضعها ترامب. التداعيات هنا مزدوجة: فإما أن يكون القرار اللبناني "عربون ثقة" للمجتمع الدولي يسهّل تدفق المساعدات وإعادة الإعمار بشرط الابتعاد عن طهران، أو أن يتحول لبنان إلى ساحة "تصفية حسابات" نهائية بين واشنطن وطهران، حيث تُستخدم الجغرافيا اللبنانية كأداة ضغط في المفاوضات النووية والإقليمية الكبرى.


فهل ينجح لبنان في تحويل طرد السفير من مجرد "فعل كيدي" إلى استراتيجية وطنية ثابتة لاستعادة الدولة، أم أننا سنكتشف أن قطع "الجسور الدبلوماسية" مع طهران، في ظل تدمير الجسور الحقيقية في الجنوب، قد أتمّ عزل لبنان عن محيطه وعن نفسه؟