في تقدير الموقف الجديد الذي نشره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت، والذي يتناول تعقيدات ملف النزوح والعودة في لبنان بعد الاتفاق الإطاري، ويقرأ في العوامل الأمنية والسياسية والإنسانية والاقتصادية التي تجعل عودة النازحين، ولا سيما إلى جنوب لبنان، ما يجعلها أقرب إلى حالة "العودة المعلّقة" منها إلى مسار استقرار نهائي ومستدام. كما يلفت التقدير إلى أن الأزمة لا تنحصر في النزوح وحده، بل تمتد إلى تحديات السكن، وإعادة الإعمار، والتمويل، وقدرة الدولة على توفير شروط العودة الآمنة، في وقت يقيم فيه نحو 134,800 نازح داخل 642 مركز إيواء جماعي، وحيث تُقدَّر أضرار الحرب بنحو 20 مليار دولار على الأقل.
وجاء في تقدير الموقف ما يلي، علما أن النسخة الكاملة موجودة في الرابط في نهاية هذا المقال:
على الرغم من توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو الجاري، لا تزال عودة النازحين إلى جنوب لبنان تواجه تحديات معقدة تتجاوز الإعلان عن وقف الأعمال العدائية، في ظل استمرار الخروقات العسكرية الإسرائيلية، واتساع حجم الدمار، وغياب التمويل الكافي لإعادة الإعمار، وعدم اكتمال الضمانات السياسية والأمنية اللازمة لتثبيت الاستقرار.
في هذا الصدد يشير تقدير موقف بعنوان النازحون بعد الاتفاق الإطاري: قراءة في تعقيدات النزوح والعودة صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في بيروت، إلى أن الاتفاق شكّل محطة سياسية جديدة في مسار الأزمة، إلا أن انعكاساته الميدانية ما تزال محدودة، حيث بقيت عودة النازحين مرتبطة بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الواقع الأمني في جنوب لبنان، ومستقبل إعادة الإعمار، وآليات تنفيذ الاتفاق، الأمر الذي يجعل عودة السكان حتى الآن عملية تدرّجية وغير مستقرة.
فقد كشف تقدير الموقف بالاستناد إلى بيانات المركز الوطني للبحوث العلمية عن تدمير أو تضرر أكثر من 61 ألف وحدة سكنية بين آذار/مارس وأيار/مايو 2026، ما حول أجزاء واسعة من جنوب لبنان إلى مناطق غير صالحة للسكن، حيث يعاني نحو 134,800 نازح في مراكز الإيواء من ضغط هائل، خصوصا في بيروت وجبل لبنان، ما دفع الجهات المعنية لتوجيه موجات جديدة نحو الشمال والبقاع، وهي مناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية. وتتفاقم الأزمة ديموغرافيًا، حيث يمثل النساء والفتيات أكثر من نصف النازحين، مع وجود 16 ألف امرأة حامل يواجهن مخاطر صحية مضاعفة نتيجة استهداف المراكز الطبية.
فعلى الرغم من توقيع اتفاق الإطار ومذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في حزيران/يونيو، يظل الواقع الميداني في الجنوب بعيدًا عن الهدوء المستقر. فبدلاً من وقف إطلاق نار حقيقي، تشهد المنطقة حالة من خفض التصعيد الهش أو حرب الاستنزاف منخفضة الوتيرة. ويؤكد الواقع أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يسيطر على نحو 6 بالمئة من مساحة لبنان، مع استمرار التوغلات البرية والغارات في أقضية بنت جبيل وصور ومرجعيون. وتجلى هذا التناقض في ليل 28 حزيران/يونيو، حين أقدم الجيش الإسرائيلي على تفجير نفق في بلدة مجدل زون، وهو ما يفسره المراقبون كدليل على أن بعض المناطق لا تزال تُدار بمنطق المساحات الأمنية وليس بضمانات مدنية.
ويشير تقدير الموقف إلى أن العودة للجنوب ما عادت مسألة قرار فردي أو رغبة شعبية، بل أصبحت ممارسة متدرجة ومجزأة أو عودة معلّقة. وتبرز ثلاثة معوّقات بنيوية تحول دون تحول هذه العودة إلى مسار دائم، هي الدمار المادي الهائل الذي لم يقتصر على الوحدات السكنية، بل تجاوز ذلك إلى وجود نحو 8.5 مليون متر مكعب من الردم، بتكلفة إزالة تقدر بـ 250 مليون دولار، إضافة إلى انهيار شبه كامل في شبكات المياه والكهرباء والطرقات؛ يضاف على ذلك أزمة التمويل، حيث قدر وزير المالية اللبناني أضرار الحرب بـ 20 مليار دولار على الأقل. لذا ففي ظل غياب خطة دولية شاملة لإعادة الإعمار وفجوة التمويل الحادة، باتت مشاريع التعافي معطلة. كما يجب ألا تُغفل الضمانات السياسية، حيث يربط الاتفاق الإطاري إعادة الإعمار ونزع سلاح الجماعات المسلحة بجدول زمني غير واضح، مع آلية مراقبة دولية لا تزال قيد التبلور، ما يبقي النازحين في حالة من عدم اليقين.
ويشير تقدير الموقف الصادر عن المركز العربي في بيروت إلى أن الخوف من تجدد الحرب هو العامل النفسي الأبرز الذي يمنع الاستقرار الاجتماعي؛ فالنازحون الذين عانوا نزوحًا متكررًا لم يعودوا يثقون في استدامة التهدئة، ما يدفعهم للقيام بـ زيارات استكشافية فقط لتفقد منازلهم ثم العودة إلى أماكن نزوحهم.
وفي هذا السياق، تواجه الدولة اللبنانية عجزًا مؤسساتيًا، حيث يُنتظر منها تنفيذ التزامات أمنية موسعة بينما تعاني ضعفًا في القدرة اللوجستية والمالية. ويتحول الجيش اللبناني، وفقًا للواقع الميداني، إلى جهاز يضبط العودة الآمنة ويمنع العودة غير المنظمة في المناطق الخطرة، بدلاً من أن يكون جهة قادرة على تمكين النازحين من العودة.
ويختتم تقدير الموقف بالحديث عن البحث عن استقرار مفقود، حيث إن المشهد اللبناني يعكس تداخلًا قاتلًا بين الأمن، والسياسة والاقتصاد والدمار. فمن دون تسوية سياسية نهائية، وتمويل فعلي لإعادة الإعمار، وضمانات أمنية دولية ومحلية قادرة على تحويل التهدئة إلى وقف إطلاق نار مستدام، ستبقى عودة النازحين مجرد مبادرات فردية محدودة الأثر. ويظل الاختبار الحقيقي للدولة اللبنانية هو القدرة على الانتقال من العودة المُعلّقة إلى مسار تعافي فعلي يحمي كرامة النازحين ويعيد بناء حياتهم المدنية.
لقراءة تقدير الموقف كاملا على الرابط هنا






التعليقات (0)