بيئة

رحيـل منـى خليــل أيقونــة البيئــة اللبنانيــة... إمرأة مـن رمــلٍ ومـوج!!

رحيـل منـى خليــل أيقونــة البيئــة اللبنانيــة... إمرأة مـن رمــلٍ ومـوج!!

كان رحيل منى خليل حدثًا مؤثرا في سجل الخسارات اللبنانية، وكان انكسارًا موجعًا في قلب الطبيعة نفسها، وكأن البحر الذي أحبّته فقد إحدى موجاته، أو أن رمال شاطئ " المنصوري" فقدت نبضها الذي كان يحرس الحياة في صمت.


لكن الخسارة لم تتوقف عند حدود الجغرافيا اللبنانية؛ بل امتدت لتطال فلسطين، وكل محبٍ للطبيعة في هذا العالم الواسع. فقد كانت منى خليل صوتًا إنسانيًا يتجاوز الحدود، ورسالة بيئية تؤمن بأن البحر واحد، وأن الحياة حين تُحمى في مكان، تُحمى في كل مكان. لذلك بدا رحيلها وكأنه فقدان مشترك، ووجع عابر للخرائط، ترك فراغًا في قلوب الناشطين البيئيين أينما كانوا، وكأن الطبيعة نفسها فقدت واحدة من حارساتها الصامتات.


شهادة الفقد… كيف عرفتُ عن الرحيل


في حوار صباحي مع الناشطة البيئية والصحافية المتخصصة بالعلوم والبيئة " سوزان أبو سعيد ضو"، وصلني نبأ رحيل وفقدان منى خليل. كانت الكلمات محمّلة بثقل الصدمة والحزن، وهي تستعيد سيرة ناشطة لبنانية بارزة عُرفت بدورها الإنساني والبيئي العميق، خاصة في حماية السلاحف البحرية على شاطئ " المنصوري " في جنوب لبنان. كان الخبر الصادم هو لحظة إنسانية مكثفة تلخص حجم الفراغ الذي تركته منى  في المشهد البيئي والإنساني.


أيقونة البيئة التي اختارت الهامش ليكون مركزًا للحياة


في زمنٍ تتزاحم فيه الضوضاء، اختارت منى خليل أن تنحاز للكائنات الصامتة، للسلاحف البحرية التي تقطع آلاف الأميال لتضع بيضها في حضن الشاطئ. كانت منى ناشطة بيئية مميزة وأمًا بديلة لكائنات مهددة، وحارسةً يقظة لحق الحياة في وجه الإهمال والخطر. كرّست سنوات عمرها للدفاع عن الحياة البرية، مؤمنة أن حماية الطبيعة هي واجب أخلاقي وإنساني. فصارت واحدة من أبرز الأصوات البيئية في لبنان، وصورة حية للارتباط العميق بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.


المنصوري… حيث كانت الحياة تبدأ من أثر زعنفة


على شاطئ " المنصوري"، كانت منى تكتب قصتها اليومية مع الحياة. تراقب مواسم تعشيش السلاحف، تحصي الأعشاش، تحميها من اعتداءات البشر وتقلبات الطبيعة، وتحوّل الشاطئ إلى مساحة أمل .هناك، كانت حبيبات الرمال ذاكرة حية لخطواتها، وصدى لنداءاتها التي نشرت الوعي البيئي بين الأهالي والزوار. جمعت حولها متطوعين من داخل لبنان وخارجه، فصنعت مجتمعًا صغيرًا يؤمن بأن الطبيعة تستحق أن تُحمى.


"البيـت البرتقـالي"... حين يصبح المنزل وطنًا للطبيعة


كان منزلها المعروف بـ "البيـت البرتقـالي" قلبًا نابضًا بالحياة. هناك، استقبلت باحثين ومتطوعين، وهناك بدأت حكايات إنقاذ السلاحف، وهناك تشكّلت واحدة من أجمل صور المقاومة البيئية السلمية. كان البيت مرصدًا للحياة، ومختبرًا للأمل، ومأوى لكل من آمن بأن الطبيعة ملكًا للجميع وأمانة في أعناقنا.


حين تستهدف الحرب ما تبقّى من الحياة


حين تستهدف الحرب ما تبقّى من الحياة، يصبح الألم أكثر مرارة وحزناً، ويغدو الفقدان جرحًا في الذاكرة لا يندمل. جاء رحيلها قاسيًا، مؤلمًا، ومفجعًا… حين أُصيبت بجراحها إثر غارة إسرائيلية استهدفت منزلها، وكأن الحرب لم تكتفِ بالبشر، بل امتدت لتطال من كانوا يدافعون عن الحياة نفسها. حقًا كان استهداف "البيـت البرتقـالي" اعتداءً على فكرة، على رسالة، على امرأة اختارت أن تقف في صف الحياة حتى آخر لحظة.


كانت منى خليل شاهدة على دمار " البيـت البرتقـالي" الدافىء، وكانت جزءًا من صمود المكان… فقد رفضت أن تترك "البيت البرتقالي" رغم اشتداد القصف وتدمير البيوت من حولها، متمسكةً برسالتها حتى الرمق الأخير، كأنها كانت تحرس الحياة من خلف جدرانه كما تحرس السلاحف شاطئها من الفقد. وعندما انهار البيت على وقع الغارة، بقيت تصارع جراحها وإصابتها، بين الركام والوجع، حتى ارتقت شهيدة في التاسع عشر من حزيران من العام 2026، لتتحول قصتها من صمود بيئي إنساني إلى ذاكرةٍ لا تُمحى، ومن حضورٍ في المكان إلى أثر خالد في ضمير الحياة نفسها.


إرث لا يُقصف!


رحلت منى خليل، لكن أثرها باقٍ… في كل سلحفاة وجدت طريقها إلى البحر، في كل متطوع تعلّم منها معنى الالتزام، وفي كل طفل أدرك أن حماية البيئة تبدأ من الوعي. لقد ألهمت جيلًا كاملًا من الناشطين، وكتبت بعملها اليومي درسًا عميقًا: أن الدفاع عن الطبيعة هو دفاع عن الإنسان نفسه، وأن النضال لا يكون دائمًا بالصوت العالي، بل أحيانًا بحراسة عش صغير على شاطئ هادئ.


وإلى جانب هذا الأثر الممتد، يبقى أسم الناشط البيئي اللبناني "رامي خشّاب" حاضرًا كرفيق دربٍ طويل، رافق رحلة منى خليل البيئية على مدار عشر سنوات من العمل المشترك والإيمان العميق بحماية البحر والحياة. كان " رامي " شاهدا على مسيرتها، وكان جزءًا من تفاصيلها اليومية، من التعب، ومن الفرح الصغير الذي يولد حين تعود سلحفاة إلى البحر بأمان، ومن الإصرار الذي كان يجمعهما على أن الطبيعة تستحق من يقف إلى جانبها مهما اشتدّ الخطر.


بين البحر والذاكرة… تبقى الحكاية


ستبقى منى خليل أكثر من اسم في سجلّ الناشطين البيئيين؛ ستبقى حكايةً تُروى على مهل، كأغنيةٍ قديمة تعرف طريقها إلى القلب دون استئذان، ودليلًا على أن الحبّ الصادق للطبيعة قادر أن يصنع أثرًا لا تمحوه العواصف، ولا تُطفئه قسوة اللحظة.


ستبقى تلك الروح التي مشت بين الرمل والملح كأنها تصغي للبحر وهو يتنفس، وتفهم لغة الموج حين يعلو وينكسر على شواطئ الحياة. هناك، في "المنصوري"، حيث تلتقي السلاحف بالضوء، تركت  منى خليل بصمتها كعهدٍ أخضر بأن الأرض مكانًا يستحق أن نعيش فيه ونحميه.


وفي كل مرة تعود فيها سلحفاة إلى شاطئ "المنصوري"، كان العود إستثنائيًا… وعودة ذاكرة كاملة، تحمل اسمها دون أن تنطقه، وتكتب حضورها دون أن تُرى.


فثمّة أرواح لا تغادر… بل تتحوّل إلى حارسٍ خفيّ للجمال، وإلى وعدٍ مفتوح بين الإنسان والطبيعة بأن الحياة تستحق أن تُصان، مهما اشتدّ الغياب.


وعند آخر خطّ يلتقي فيه البحر بالرمل، ستبقى رسالة  منى خليل  الوفية مبلّلة بالضوء: "هنا في شاطىء "المنصوري "لم تكن البداية فقط… هنا وُلد العهد، وهنا وُلد الوعد ،أن لا يُترك البحر وحيدًا بعد اليوم".


 


 

خالد أبو علي

خالد أبو علي

باحث

باحث فلسطيني في مجال البيئة والتراث الشعبي

تابع كاتب المقال: