رأي

أيّها العالم: هل ما زلتَ إنسانيا؟ ذوو الإعاقة في لبنان تحت القصف... وصمتكم يقتلهم!

في لبنان، لا تُقاس المأساة بعدد الضحايا فقط، بل بعدد الذين لم تُتح لهم حتى فرص النجاة، فهناك، في الزوايا المنسية من الحرب، يعيش مئات آلاف من ذوي الإعاقة (ذوي الإحتياجات الخاصة، أصحاب الهمم) واقعًا يتجاوز كل توصيف: ليسوا فقط ضحايا قصف، بل ضحايا نظام عالمي يرفع شعارات الحقوق… ويتخلى عنها عند أول اختبار حقيقي.


تقديرات المنظمات الدولية تشير إلى أن ما بين 10 و15 بالمئة من السكان هم من ذوي الإعاقة، أي مئات الآلاف من البشر الذين يفترض أن تشملهم الحماية القانونية والإنسانية. لكن الحقيقة أكثر قسوة: هؤلاء لم يحصلوا يومًا على حقوقهم الكاملة حتى في زمن السلم، رغم وجود قوانين واضحة منذ العام 2000، أبرزها القانون 220 الذي بقي، على مدى أكثر من عقدين، حبيس النصوص. لا بنية تحتية، لا خدمات مستدامة، لا إدماج فعلي… فقط وعود تتكرر، وواقع لا يتغير.


ومع اندلاع الحرب، لم تتضاعف معاناتهم فقط… بل انكشفت. صار واضحًا أن خطط الطوارئ لا تشملهم، وأن النجاة نفسها مصممة لغيرهم. حين يهرب الناس، يحتاج بعضهم إلى من يحملهم. حين تُفتح الملاجئ، لا تكون مهيأة لدخولهم. حين تُوزّع المساعدات، تصل إليهم متأخرة… أو لا تصل.


امرأة في منتصف الأربعينات، تعاني من إعاقة حركية، بقيت في شقتها لساعات طويلة تحت القصف لأنها لم تستطع النزول وحدها. لم تكن تختار البقاء… بل كانت محتجزة داخل جسدها، وداخل مبنى لا يرحم. طفل أصم لم يسمع الانفجارات، لكنه رأى الخوف في عيون أمه، ولم يفهم لماذا تغيّر العالم فجأة. رجل يعاني من شلل نصفي وجد نفسه عاجزًا عن استخدام الحمام في مركز إيواء، محاطًا بالناس… لكنه محروم من أبسط مقومات الكرامة.


هذه ليست حوادث فردية، بل نمط متكرر، يكشف أن الحرب لا تصيب الجميع بالتساوي. هناك من يملك فرصة الهروب… وهناك من لا يملك حتى هذا الحق.


القانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي أقرتها الأمم المتحدة، تنص بوضوح على حماية هذه الفئة، خاصة في حالات النزاعات والطوارئ. تنص على ضمان الكرامة، وإمكانية الوصول، والمساواة. لكن ماذا تعني هذه النصوص عندما يُترك إنسان عاجز عن الحركة تحت القصف؟ ماذا تعني عندما لا يجد طريقًا إلى ملجأ؟ عندما يفقد دواءه، أو كرسيه، أو الشخص الذي يساعده؟


أين منظمة الصحة العالمية من هذا الانهيار؟ أين هيومن رايتس ووتش؟ أين كل تلك التقارير التي تُكتب بعناية، ثم تُحفظ في الأدراج؟ أين الضمير الإنساني حين يصبح الإنسان عبئًا لأنه ضعيف؟


السؤال لم يعد عن لبنان فقط. السؤال أصبح عن العالم.


لماذا تُطبَّق القوانين في مكان، وتُنسى في مكان آخر؟ لماذا تُحرّك المآسي جيوشًا من التضامن في بعض الدول، بينما تمرّ مآسٍ أخرى كأنها تفاصيل هامشية؟ لماذا تُقاس حياة الإنسان بميزان الجغرافيا؟ من قرر أن هذه الدماء تستحق، وتلك يمكن تجاهلها؟


أليست الإنسانية واحدة؟ أليست الكرامة حقًا مطلقًا لا يُجزّأ؟ أم أن العالم اختار، بصمتٍ مريب، أن يعيد تعريف الإنسان… ومن يستحق أن يُنقـــَــذ؟


في الشرق الأوسط، لا تُختبر فقط قدرة الدول على الصمود، بل تُختبر صدقية العالم بأسره. كل صمت هو موقف. كل تأخير هو قرار. وكل تجاهل هو مشاركة غير مباشرة في الألم.


هذه ليست مجرد أزمة إنسانية… بل انهيار أخلاقي.


حين يُترك شخص عاجز عن الحركة في منطقة قصف، فهذه ليست نتيجة حرب فقط، بل نتيجة إهمال. حين لا تُجهَّز مراكز الإيواء لاستقبال الأضعف، فهذه ليست مشكلة لوجستية، بل خلل في ترتيب القيم. حين يُطلب من ذوي الإعاقة أن يصمدوا دون دعم، فهذه ليست بطولة… بل قسوة مقنّعة.


ما الذي ينتظره العالم؟


عددًا أكبر من الضحايا؟


صورًا أكثر قسوة؟


أم لحظة ينهار فيها كل شيء، فيُقال بعدها: “لم نكن نعلم”؟


العالم يعلم.


يرى.


يسمع.


لكنه يختار الصمت.


وهنا، لا يعود الصمت حيادًا… بل يصبح شريكًا.


إلى الشعوب في كل مكان، في أوروبا، في أميركا، في العالم العربي، في كل مدينة ما زال فيها صوت يُسمع: هذه ليست حربًا بعيدة عنكم. هذه لحظة تعريف. إما أن تكونوا مع الإنسان… أو مع الصمت.


انزلوا إلى الشوارع.


ارفضوا أن يتحول الألم إلى خبر عابر.


اضغطوا على حكوماتكم.


اسألوا مؤسساتكم: أين أنتم؟


لا تتركوا الأضعف يدفع الثمن وحده. لا تسمحوا أن يصبح العجز حكمًا بالإعدام البطيء. لا تقبلوا أن تُختصر الإنسانية في بيانات رسمية.


لأن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها:


حين يُترك ذوو الإعاقة تحت القصف دون حماية،


فإن المشكلة ليست في الحرب وحدها…


بل في عالمٍ فقد قدرته على أن يكون إنسانيًا.


 

علي أمهز

صحافي و ناشط سياسي و اجتماعي

تابع كاتب المقال: