رأي

فن التذوق... في القراءة والكتابة والشعر

كتب الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير عام 1872، والمعروف بقضاء أسبوع كامل في صقل فقرة واحدة، إلى صديق له يصف فيه أسلوبه الدقيق في الكتابة. "أصبحتُ أشبه بآلة"، بهدف "عصر اللغة" قال متذمرًا. لم يكن يقوم بمهام متعددة، ولم يكن يتصفح المشتتات، بل كان منخرطًا في حوار عميق، أشبه بحوار الرهبان، مع عمله، تاركًا الأفكار تنضج وتترسخ. كان فلوبير، دون أن يدري، يمارس شكلًا مبكرًا من مبدأ معرفي قوي بدأنا نكتشفه من جديد في عصرنا هذا وفي كثير من المجالات، الذي يغرق في استهلاك المعلومات الرقمية: فن التذوق the art of the sip.


فالكتّاب مثل غوستاف فلوبير أو حتى المعاصرين الذين يراجعون نصوصهم مراراً، يكتشفون طبقات جديدة من المعنى، مما يفتح الباب أمام الإبداع بدلاً من إنتاج نصوص سطحية سريعة.


نعم، نحن نعيش في عصر الاستهلاك السريع. نلتهم الأخبار دفعة واحدة، ونغرق في سيل من البيانات، ونشاهد المسلسلات بشراهة. حياتنا المهنية والشخصية محكومتان بضغط لا هوادة فيه للاستهلاك والمعالجة والإنتاج - بشكل أسرع وأكبر وأكثر. نتعامل مع المعلومات كما لو كانت ماءً في صحراء، نبتلعها بنهم، لنكتشف في النهاية أننا منتفخون لكن عطشى فكريًا. والنتيجة؟ شعورٌ دائمٌ بالاضطراب المعرفي، حيث نتفاعل باستمرار ونادرًا ما نفكر، مشغولون لكن غير منتجين.


وهنا نقتبس من الشعر وعلاقته بالتذوق، فمن المتنبي الذي قال


إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بمـا دونَ النجومِ، وهنا يعكس فكرة السعي العميق لا السطحي.


ومن جبران خليل جبران:


ويلٌ لأمةٍ تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر، يدعو للتأمل في الاستهلاك والقيام بما يلزم للإبتكار والمتابعة.


فالتذوق العميق ليس رفاهية، بل علاج معرفي، حين نمنح أنفسنا وقتاً للتأمل بعد القراءة أو التعلم أو سماع قطعة موسيقية، أو بعد كتابة قطعة أو فقرة معينة، ينخفض التوتر الذهني ويزداد الإبداع. فالعقل يحتاج إلى فسحة صمت ليعيد ترتيب الأفكار، لأن العقل يخلق روابط جديدة بين الصور والمعاني، تماماً كما يحتاج الجسد إلى استراحة بعد مجهود.


فالحل ليس في تقليل الاستهلاك، بل في تغييره. إليكم "قاعدة العشرين دقيقة"، وهي مفهومٌ لا يتعلق بإدارة الوقت بقدر ما يتعلق بتغذية العقل. المبدأ بسيطٌ ظاهريًا: بدلًا من استهلاك معلومةٍ بسرعة والانتقال فورًا إلى غيرها، خصص عشرين دقيقةً متواصلةً لاستيعابها تمامًا. اقرأ مقالًا، شاهد درسًا تعليميًا، راجع تقريرًا، ثم توقف. لكن السحر يكمن فيما يلي: وقفةٌ مدروسة. لا تنتقل مباشرةً إلى المهمة التالية. دع المعلومات تستقر. تأمل، اربط، استمتع بها.


وختاما في زمن السرعة والاستهلاك، يصبح فن التذوق في القراءة والكتابة والشعر دعوةً إلى التمهل، إلى الإصغاء لما بين السطور، وإلى إعادة اكتشاف لذة المعرفة كرحلة لا كسباق. عشرون دقيقة من التأمل قد تفتح أبواباً للإبداع أوسع من ساعات من التشتت. فلنجعل من التذوق عادةً يومية، نرتشف بها المعنى كما نتذوق فنجان قهوة أو شاي دافئ، ببطء، وبوعي، وبشغف.


 


 


 

سوزان أبو سعيد ضو

Managing Editor

ناشطة بيئية وصحافية متخصصة بالعلوم والبيئة

تابع كاتب المقال: