هذا ما فعله الراحل الشيخ دانيل عبد الخالق، رجل الحوار والإنفتاح معي خلال نضالي في قضية مطمر الناعمة...
بدأت معرفتي بفضيلة الشيخ دانيل عبد الخالق عندما كنت مراسلة في الإذاعة اللبنانية، حيث التقيته للمرة الأولى خلال تغطيتي لندوة دينية في بعبدا، بعدها صرت أراه في مؤتمرات وندوات تتناول حوار الأديان، وقد لفتني تميزه بثقافته وسلاسته ووعيه وانفتاحه ومرونته في التعاطي وتقبل الرأي الآخر، وكثيرا ما أجريت معه مقابلات إذاعية، كما واستضفته في إحدى حلقات برنامجي التلفزيوني "حبك بيجمعنا" الذي كان يُعرض على إحدى قنوات التيلي لوميار، ويتحدث عن القواسم المشتركة بين الأديان.
تطورت صداقتي مع فضيلة الشيخ دانيل، عندما أصبحت المسؤولة الإعلامية لحملة إقفال مطمر الناعمة، حينها كان مستشاراً لسماحة شيخ عقل طائفة الموحدين نعيم حسن. فبعد انتهائي من أول مقابلة كانت قد أجرتها معي الزميلة غادة ناصر عبر أثير إذاعة لبنان، تلقيت مكالمة هاتفية من فضيلته هنأني فيها على نجاح المقابلة، وقال لي "انك تحملين حملاً ثقيلاً، كان الله في عونك"، وأبدى استعداده لمساندتي في كل ما قد أحتاج إليه من أجل تحقيق هدفي في إقفال مطمر الناعمة الذي تسبب بمخاطر بيئية وصحية..
طبعاً، كنت أعي جيداً أهمية استشارة العقلاء والحكماء في كل خطوة أقوم فيها، فكنت أسارع للتواصل معه لإعلامه بكل ما يحصل وأطلب نصيحته وتوجيهاته، وبدوره لم يكن ليبخل علي بشيء، وبفضله استطعت تخطي العراقيل وتوقي الهفوات في تلك المرحلة الصعبة.
وكم كان حريصا على رفع معنوياتي عندما وصلت إلى درجة الإحباط واليأس. فأذكر جيداً حينما اتصلت به وقد انتابتني حالة هستيرية من البكاء والتوتر، وقلت له:"لم أعد أتحمل سأنسحب، ولن أكمل النضال في هذه القضية". فجاوبني بطريقته الدبلوماسية المعهودة: "بدك تكفي، ممنوع تنسحبي، الناس وثقت فيك، وآمالها معلقة عليك، كل العالم بتنتظرك حتى تطلعي تحكي عن مجريات الأمور والأحداث بهالقضية، ممنوع تتركي بدك تكفي، ممنوع تخذلي الناس.."، وفي الواقع، كانت كلماته تعطيني دفعاً قوياً، وتساعدني على تجاوز الأزمات والمحن والتقدم نحو الأمام.
وفي تلك الفترة، كان الشيخ دانيل مقرباً من عرّاب المطمر، النائب والوزير أكرم شهيب، فكان يحرص في اجتماعاته مع شهيب بأن يعطي الصورة الحقيقية عني، إذ أكّد له مراراً وتكراراً أن هدفي من النضال في قضية مطمر الناعمة هو إقفال المطمر من أجل تخليص الناس من مخاطره الصحية والبيئية، وليس بهدف استغلال القضية لمآرب وغايات سياسية.
نعم، أعترف أن الشيخ دانيل عبدالخالق كان له فضل كبير في نجاحي في قضية إقفال مطمر الناعمة، وبفضل مساندته استطعت ان أتقي الهفوات وأتخطى تلك المِحنة بعزيمة وقوة وعنفوان.
لم يكن فضيلة الشيخ دانيل عبدالخالق رجل علم ودين وحوار فحسب، بل كان يسعى بجد واجتهاد الى العمل من أجل المصلحة العامة حتى من وراء الكواليس.
كم كنت أسعد بزيارته في بيته إذ تطورت الصداقة فيما بيننا حتى أصبحت صداقة عائلية، ولن أنسى مدى فرحتي عندما شرفني بزيارة إلى منزلي، حتى في مناسبة عرسه جاء هو بذاته لدعوتي لحضور حفل زفافه.
رحمك الله يا شيخ دانيل وألهم زوجتك الحبيبة الشيخة أماني وبناتك ووالدتك وعائلتك الصبر والسلوان وأسكنك فسيح جناته.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.







