لا تُحصى أعدادهم، في لبنان والعالم العربي، أولئك الذين نشأوا مثلي على فكرة أو إرث "القضية" التي كان لها منظّروها ومؤسساتها المتنوّعة والمروّجون لها، وأحزابها ومناصروها ومموّلوها وشعراؤها وكُتّابها ومغنّوها، وتشكل الفنانة جوليا بطرس أحد ابرز نجومها، ولاسيما منذ إطلاقها أغنيتها الشهيرة "غابت شمس الحق" التي باتت بمثابة نشيدٍ وطنيّ نرفعه تحيةً لأبناء الجنوب ونحتفي من خلاله ببطولات أبنائه ونرفع تحية إكبار لشهدائه ونتعاطف مع معاناة وعذابات كلّ جنوبيّ لا يزال يسير على دروب جلجلة التهجير والنزوح والمآسي والخسارات التي آن لها أن تنتهي.
كثيرون من هؤلاء فوجئوا بأن يحيي حفل زفاف نجل الفنانة جوليا بطرس النجم أحمد سعد و"الديفا" هيفاء وهبي، ولم يصدّقوا أعينهم وهم يرون جوليا تردّد فرحةً مع هيفاء أغنية "بوس الواوا"، بل صدمهم في الأصل أن يجرى حفل الزفاف هذا وسط الظروف التي يعاني منها لبنان عموماً، والجنوب وأبناؤه خصوصاً، كأنما كانوا يتوقعون أن توقف جوليا مسار حياتها اليومية بشكلٍ كامل بانتظار تحرير الأرض وعودة أبنائها إليها وإعادة إعمارها، لتحيي من ثمّ حفلاً تصدح خلاله بصوتها الذي يلاقي أصوات الناس: "منرفض نحنا نموت"، لكأنهم بموقفهم هذا يقولون لها وللجميع: "منرفض نحنا نعيش".
جوليا هنا هي أمٌّ تعيش ككل أمّ فرحة زفاف ابنها، ولا أخال أنها كانت لتطلب من فنانين مثل مارسيل خليفة وخالد الهبر وسميح شقير مثلاً أن يحيوا الحفل، وأن يرقص العروسان والحضور على كلمات وألحان أغنياتهم، هذا إذا كان القرار في هذا الشأن يعود إليها، غير أنّ هذا الأمر لا يحجب الضوء عن واقعٍ عام نعيشه، وتصلح فيه مقولة "حادت عن ظهري بسيطة"، حيث كل منطقة، بل كل مدينة أو قرية تعيش بمعزلٍ عما تعاني منه المنطقة أو المدينة أو القرية القريبة، فهناك قصفٌ ودمار ونار ودموع، وهنا رقصٌ وفرح ودبكة وزغاريد، وهو واقعٌ يجسد تفكك مفهوم الانتماء الوطنيّ.
فرحة جوليا بطرس بزفاف ابنها حقٌّ لها، وواجبٌ علينا تقديم التهاني لها، فهذه مسألةٌ مجتمعية أخلاقية مسلّم بها، وليس من شأننا أن نحدّد من تختاره أو يختارونه للغناء في هذه المناسبة أو كيف ينظّمون مراسمها، إنما في المقلب الآخر، ثمة ضبابيةٌ تطرح سؤالاً بحجم الأحلام الكبرى التي حملنا رايتها، تتعلّق بمسألة الفنّ الملتزم بالقضية، بل بالقضية نفسها، أو ما تبقّى منها.. هل غابت شمس الحق؟ أم تبدّلت ملامح شروقها وخبا دفء خيوط أشعتها؟






التعليقات (0)