رأي

ليسوا سذجا لأنهم يحبون… بل عظماء لأنهم لم يفقدوا إنسانيتهم!

في عالم أصبحت فيه القسوة تُسمّى قوة، واللامبالاة تُسمّى ذكاء، والانتقام يُسمّى كرامة، أصبح الإنسان الذي يحب بصدق غريبًا في أعين الكثيرين.


فمن يعطي أكثر مما يأخذ، ومن يسامح أكثر مما يُسامح، ومن يصبر أكثر مما يصبر عليه الآخرون، غالبًا ما يُساء فهمه. يظن البعض أن هذا الإنسان لا يرى، ولا يفهم، ولا يدرك ما يحدث حوله. يعتقدون أن قلبه الكبير دليل على ضعف عقله، وأن طيبته علامة على سذاجته.


لكنهم لا يعرفون الحقيقة.


فأحيانًا يكون أكثر الناس حبًا هم أكثر الناس وعيًا.


وأحيانًا يكون الإنسان الذي يختار الصمت هو أكثر الناس معرفة بالكلام الذي يمكن أن يُقال.


وأحيانًا يكون الشخص الذي يغفر هو الشخص الذي يعرف تمامًا حجم الخطأ، لكنه يرفض أن يجعل الخطأ يغيّر أخلاقه.


إن الإنسان الذي يحب بصدق لا يعيش خارج الواقع، بل يعيش في عمقه. هو لا يغمض عينيه عن الحقيقة، بل يرى الحقيقة كاملة، بكل تفاصيلها وأوجاعها وتناقضاتها. يرى الجفاء عندما يظهر، يشعر بالبرود عندما يأتي، يلاحظ تغير الكلمات والنظرات والتصرفات، لكنه يختار أن يحكم على الإنسان من خلال الرحمة لا من خلال الغضب.


وهنا تظهر قيمة الذكاء العاطفي.


فالذكاء العاطفي ليس أن تعرف كيف تكشف أخطاء الآخرين فقط، بل أن تعرف كيف تحافظ على نفسك عندما تُجرح. ليس أن تملك القدرة على الرد القاسي، بل أن تملك القوة على ضبط نفسك. ليس أن تنتصر في لحظة غضب، بل أن تنتصر على الجانب المظلم داخلك.


هناك فرق كبير بين إنسان لا يرد لأنه عاجز، وإنسان لا يرد لأنه أقوى من أن يسمح للألم بأن يحوّله إلى نسخة من الشخص الذي آذاه.


إن أصحاب القلوب النقية لا يجهلون الشر، لكنهم لا يريدون أن يصبحوا جزءًا منه. يعرفون أن الحياة مليئة بالنقص، وأن البشر يخطئون، وأن بعض القلوب لا تعرف قيمة ما بين أيديها إلا بعد فقدانه.


لكنهم رغم ذلك يحاولون.


يحاولون لأنهم يؤمنون أن الإنسان ليس خطأ واحدًا.


يحاولون لأنهم يعرفون أن العلاقات تُبنى بالصبر، وأن المحبة تحتاج إلى تضحية، وأن الوفاء ليس كلمة تُقال بل موقف يُثبت في أصعب الظروف.


ولهذا قد يتحملون أكثر مما يتحمل غيرهم.


يتحملون الكلمات القاسية، والتجاهل، ونكران الجميل، ليس لأنهم بلا كرامة، بل لأن لديهم قدرة كبيرة على الاحتواء. لأنهم ينظرون إلى الصورة كاملة، وليس إلى لحظة واحدة.


لكن حتى أعظم الجبال قد تتعب من الرياح.


وحتى أكثر القلوب رحمة تصل إلى لحظة يصبح فيها الصمت ألمًا، والبقاء استنزافًا، والعطاء طريقًا لفقدان الذات.


تأتي لحظة تسمى "ساعة الصفر"...


ليست لحظة كراهية، وليست لحظة انتقام، بل لحظة إدراك.


لحظة يقول فيها الإنسان لنفسه: لقد أعطيت كل ما أستطيع، حاولت بكل الطرق، حملت فوق طاقتي، وانتظرت أكثر مما يجب، لكنني لم أعد أستطيع أن أعيش في مكان يُطفئ روحي.


في تلك اللحظة قد يختار الرحيل.


يرحل ليس لأنه لم يعد يحب، بل لأنه أحب كثيرًا حتى تعب.


يرحل ليس لأنه أصبح قاسيًا، بل لأنه أدرك أن القسوة التي يتلقاها أصبحت تهدد ما تبقى منه.


يرحل ليس لأنه يريد معاقبة أحد، بل لأنه يريد أن ينقذ الإنسان الوحيد الذي بقي مسؤولًا عنه: نفسه.


وقد يصل بعض أصحاب هذه القلوب إلى مرحلة يشعرون فيها بأنهم فقدوا معنى البقاء في هذه الدنيا، ليس لأنهم ضعفاء، وليس لأنهم لم يعرفوا قيمة الحياة، بل لأنهم حملوا من الألم ما يفوق قدرتهم، ولأنهم شعروا أنهم أعطوا كل شيء ولم يجدوا يدًا تمتد إليهم عندما احتاجوا.


يشعرون أنهم كانوا جدارًا يحمي الآخرين، لكنهم لم يجدوا جدارًا يحميهم.


كانوا صوتًا يشجع الآخرين، لكنهم لم يجدوا صوتًا يطمئنهم.


كانوا وطنًا للآخرين، لكنهم لم يجدوا وطنًا يسكنون إليه.


ومع ذلك، يبقى أجمل ما في هؤلاء أنهم حتى في لحظات الانكسار لا يسمحون للكراهية أن تسكن قلوبهم.


قد يرحلون متعبين، لكنهم لا يرحلون حاقدين.


قد يحملون الألم، لكنهم لا يحملون الرغبة في الانتقام.


قد تكون أرواحهم مثقلة بالجراح، لكنها تبقى نظيفة من ظلم الآخرين.


لأن الإنسان الذي يؤمن بالله يعرف أن الحساب الحقيقي ليس أمام البشر فقط، بل أمام خالق يرى ما لا يراه الناس. يرى الدموع التي لم يشاهدها أحد، والتضحيات التي لم يشكر عليها أحد، والليالي التي نام فيها الإنسان وهو يحمل وجعًا لا يعرفه أحد.


إن أعظم انتصار للإنسان ليس أن يجعل من ظلمه يندم، بل أن يصل إلى نهاية الطريق وقلبه لم يتحول إلى نسخة من القسوة التي واجهها.


فالحقد سهل، والغضب سهل، والانتقام سهل.


أما أن تبقى رحيمًا بعد أن ذقت الألم، وأن تبقى صادقًا بعد أن واجهت الخيانة، وأن تبقى إنسانًا بعد أن عاملك البعض وكأنك لا قيمة لك… فهذا هو الاختبار الحقيقي للروح.


إن الذين يحبون بصدق ليسوا أغبياء كما يظن البعض.


هم فقط يرون الحياة بطريقة مختلفة.


يعرفون أن قيمة الإنسان ليست في عدد الأشخاص الذين هزمهم، بل في عدد القلوب التي حافظ عليها.


وأن القوة ليست في القدرة على كسر الآخرين، بل في القدرة على منع الألم من كسر أخلاقنا.


بعد مئة عام، ستبقى هذه الحقيقة كما هي:


قد ينسى الناس المال الذي أعطيتهم، والكلمات التي قلتها، والأيام التي قضيتها معهم، لكنهم لن ينسوا أبدًا أثر القلب الصادق عندما كان موجودًا.


لأن الإنسان في النهاية لا يُقاس بما أخذه من الحياة، بل بما تركه فيها.


والقلوب التي أحبت بصدق لم تكن يومًا ضعيفة…


كانت فقط تحمل نوعًا نادرًا من القوة؛


قوة أن تبقى طيبًا في عالم يحاول أن يجعلك قاسيًا.


ليسوا سذجا لأنهم يحبون… بل عظماء لأنهم لم يفقدوا إنسانيتهم!

علي أمهز

صحافي و ناشط سياسي و اجتماعي

تابع كاتب المقال: