نظمت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، اليوم الخميس، لقاء تشاوريا موسعا في مقرها في بيروت، بالتعاون مع شركائها: "المفكرة القانونية"، ومنظمة "سمكس" (SMEX)، وموقع "صفر"، والمرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين، والاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان (FENASOL).
وتناول اللقاء "أثر انضمام لبنان إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية"، بمشاركة ممثلين عن النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية، إلى جانب خبراء قانونيين وأكاديميين وباحثين وإعلاميين وعاملين مهتمين بقضايا الاقتصاد الرقمي ومستقبل العمل.
وأشار بيان للهيئة الوطنية الى أن "اللقاء شكل مساحة وطنية للنقاش حول التحولات العميقة التي أحدثها التوسع المتسارع في اقتصاد المنصات الرقمية، ولا سيما في قطاعات النقل والتوصيل والخدمات المنزلية والمهنية والرعاية والخدمات الرقمية والعمل الحر المنجز عبر الإنترنت. كما ناقش المشاركون آثار هذه التحولات في علاقات العمل التقليدية، وفي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملين، وفي قدرة التشريعات الوطنية الحالية على الاستجابة لأشكال العمل الناشئة".
ولفت الى أن "تنظيم اللقاء يأتي عقب الاعتماد التاريخي للاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 193 لعام 2026، الصادرة عن مؤتمر العمل الدولي في جنيف، بوصفها أول معاهدة دولية ملزمة تعنى بصورة شاملة بتوفير الحماية القانونية والاجتماعية للعاملين عبر المنصات الرقمية، ومن بينهم سائقو التطبيقات وعمال التوصيل والعاملين في الخدمات الرقمية والرعاية والعمل المنجز عبر الإنترنت".
واستندت المناقشات كذلك إلى ورقة العمل المرجعية التي أطلقتها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في أيار/مايو 2026، والتي دعت فيها إلى انضمام لبنان إلى الاتفاقية وإطلاق مسار تشريعي ومؤسسي يضمن إدماج أحكامها في القوانين والسياسات العامة الوطنية.
وأكد المشاركون أن "انضمام لبنان إلى الاتفاقية لا ينبغي أن يكون خطوة شكلية أو مجرد التزام دولي إضافي، بل مدخلا لإصلاح تشريعي ومؤسسي متكامل يعالج الفراغ القانوني القائم، ويضع حدا لأشكال العمل الهش، ويعيد توزيع المسؤوليات بصورة عادلة بين المنصات والعاملين والدولة".
وناقش اللقاء "النمو المتسارع لاقتصاد المنصات، في وقت يعتمد فيه أكثر من 435 مليون عامل حول العالم على المنصات الرقمية لتأمين دخلهم، فيما سجل اقتصاد المنصات نموا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، بما يؤكد أن هذا النموذج لم يعد ظاهرة هامشية أو مؤقتة، بل أصبح مكونا أساسيا من مكونات سوق العمل العالمي".
وأشار المتحدثون إلى أن "المنصات أتاحت فرصا جديدة للعمل والوصول إلى الدخل، ووفرت قدرا من المرونة في اختيار أوقات العمل، لكنها أوجدت في المقابل أشكالا جديدة من الهشاشة وعدم الاستقرار، ولا سيما في ظل غموض الوضع القانوني للعاملين، وغياب الأجر الثابت، وعدم شمولهم بأنظمة الحماية الاجتماعية، وتحميلهم نفقات التشغيل والمخاطر الاقتصادية والمهنية".
كما أكدوا أن "الإشكالية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في استخدامها لإدارة علاقة العمل بصورة تسمح بإخفاء المسؤولية القانونية ونقل مخاطر العمل من الشركة إلى العامل، من دون أن تقترن سلطة المنصة بالتزامات واضحة تجاه الأشخاص الذين يعتمدون عليها لتأمين معيشتهم".
رئيس الهيئة الوطنية: التطور الرقمي لا يعفي المنصات من مسؤولياتها
وأكد رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الدكتور فادي جرجس في كلمته الافتتاحية، أن "اعتماد الاتفاقية رقم 193 يشكل استجابة حقوقية وقانونية ضرورية لتحول بنيوي عميق في عالم العمل"، مشددا على أن "استخدام التكنولوجيا لا يجوز أن ينشئ مناطق خارجة عن أحكام القانون أو أن يحرم العاملين من الحقوق الأساسية المكفولة لهم".
ولفت الى أن "عامل المنصة ليس مجرد حساب أو رقم ظاهر على خريطة رقمية، بل هو إنسان له الحق في الكرامة والأجر العادل والحماية الاجتماعية والسلامة والصحة المهنية. وإن المرونة التي توفرها المنصات لا يجوز أن تتحول إلى غطاء للعمل الهش، أو وسيلة للتحايل على الالتزامات القانونية، أو أداة لنقل جميع المخاطر والكلف إلى العامل وأسرته".
وأوضح أن "تحديد الصفة القانونية للعامل يجب أن يستند إلى الطبيعة الفعلية للعلاقة المهنية ومدى توافر التبعية والرقابة والسيطرة، بعيدا عن المسميات الشكلية التي تضعها المنصات في العقود، مثل "الشريك" أو "مقدم الخدمة" أو "المتعاقد المستقل".
وأشار إلى أن "المنصة التي تحدد الأجر والعمولات، وتوزع المهام، وتراقب الموقع والأداء، وتضع قواعد التعامل مع العملاء، وتفرض التقييمات والعقوبات، وتمتلك سلطة تعليق الحساب أو إغلاقه، لا يمكنها التنصل من مسؤوليات صاحب العمل لمجرد اختيار تسمية تعاقدية مختلفة".
ودعا "الحكومة اللبنانية للمبادرة فورا إلى اتخاذ الإجراءات الدستورية اللازمة لانضمام لبنان إلى الاتفاقية، وإحالتها إلى مجلس النواب وفقا للأصول، بالتوازي مع إعداد خطة وطنية لتطبيقها، وإنشاء سجل إلزامي للمنصات الرقمية العاملة في لبنان، وإطلاق حوار اجتماعي يشارك فيه العمال والنقابات وأصحاب العمل ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية والخبراء التقنيون".
القنطار: الاتفاقية فرصة للانتقال من الفراغ التشريعي إلى الحماية الفعلية
من جهته، أوضح مفوض العلاقات الدولية والإعلام في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بسام القنطار أن "اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 193 جاءت في لحظة مفصلية، بعدما أصبح العمل عبر المنصات مصدر دخل أساسيا لمئات الملايين من الأشخاص حول العالم".
وأشار إلى أن "انضمام لبنان إلى الاتفاقية يشكل فرصة للانتقال من حالة الفراغ التشريعي إلى بناء منظومة حماية وطنية متكاملة، تتضمن الشفافية الخوارزمية، والأجر العادل، والحماية الاجتماعية، والسلامة والصحة المهنية، وحماية البيانات الشخصية، والحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، والوصول إلى العدالة والانتصاف الفعال".
وشدد على أن "الأجر العادل لا يمكن احتسابه استنادا إلى المبلغ الإجمالي الذي يظهر على التطبيق، بل يجب احتساب صافي الدخل بعد اقتطاع النفقات التي يتحملها العامل، ومنها الوقود وصيانة المركبة والاتصالات والتأمين، فضلا عن العمولات التي تستوفيها المنصة".
وأكد "ضرورة احتساب كامل وقت العمل، بما في ذلك وقت انتظار الطلبات والتنقل المرتبط بتنفيذها، وعدم اختزال العمل في الدقائق التي يتم خلالها نقل الراكب أو تسليم الطلب".
ورأى أن "الانضمام إلى الاتفاقية يجب أن يترافق مع مراجعة شاملة لقانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي وقانون الموجبات والعقود والتشريعات المتعلقة بحماية البيانات والمعاملات الرقمية، بما يضمن شمول عمال المنصات بالحماية القانونية، بصرف النظر عن الجنسية أو نوع العقد أو المسمى الذي تعتمده الشركة".
واعتبر أن "الاتفاقية تضع لبنان أمام مسؤولية واضحة: إما الاستمرار في ترك آلاف العاملين في منطقة قانونية رمادية، وإما المبادرة إلى تنظيم القطاع بطريقة توازن بين تشجيع الابتكار وصون الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية".
جميل: تفكيك سلطة "المدير الخوارزمي"
وتناول الباحث والأكاديمي المتخصص في علم اجتماع العمل الدكتور ربيع فخري جميل في قراءة نقدية لواقع العمل عبر المنصات، ظاهرة "المدير الخوارزمي"، موضحا أن "سلطة الإدارة والرقابة والتقييم والعقاب انتقلت، في كثير من المنصات، من مدير بشري معروف إلى أنظمة خوارزمية معقدة ومعتمة. وأشار إلى أن هذه الأنظمة تحدد للعامل مكان العمل ووقته ومساره، وتوزع المهام، وتراقب معدلات القبول والرفض والسرعة، وتمنح التقييمات، وقد تفرض عقوبات تصل إلى خفض ترتيب العامل أو تقليص الطلبات المتاحة له أو تعليق حسابه وإغلاقه نهائيا.
وأوضح أن خطورة هذه المنظومة تكمن في أن العامل قد يتعرض لقرار مؤثر في مصدر دخله من دون معرفة أسباب القرار أو البيانات التي استند إليها، ومن دون أن تتاح له فرصة فعلية للاعتراض أو الحصول على مراجعة بشرية مستقلة. كما قد يتعرض العامل للعقوبة بسبب ظروف خارجة عن إرادته، مثل ازدحام السير أو الأحوال الجوية أو الأعطال التقنية أو تقييمات العملاء المتحيزة، بينما تتعامل الخوارزمية مع هذه الوقائع بوصفها إخفاقا شخصيا يستوجب خفض التصنيف أو فرض الجزاء". وحدد "مجموعة من الأبعاد التي تستوجب تدخلا تشريعيا عاجلا، وفي مقدمها اعتماد قرينة قانونية تفترض وجود علاقة عمل عندما تتحكم المنصة في العناصر الأساسية للعمل، واحتساب وقت الانتظار ضمن وقت العمل المدفوع، وحظر القرارات المؤتمتة الصارمة، مثل تعليق الحسابات أو إغلاقها، من دون تفسير ومراجعة بشرية. كما دعا إلى إخضاع الخوارزميات لتقييمات دورية لآثارها في حقوق الإنسان، والتحقق من عدم إنتاجها قرارات تمييزية على أساس الجنسية أو الجنس أو العمر أو الإعاقة أو المنطقة الجغرافية أو النشاط النقابي".
وأشار الى أن "تقييم الاتفاقية وأثرها المحتمل في لبنان يجب أن يستند إلى فهم واقعي ودقيق لظروف العاملين عبر المنصات، لا إلى قراءة قانونية مجردة"، لافتا إلى "العمل الجاري بالتعاون مع منظمة "سمكس" لإعداد دراسة أشمل حول واقع العمل الرقمي في لبنان، تستند إلى أبحاث ميدانية وشهادات مباشرة من العاملين، بهدف توثيق أنماط العمل السائدة، وتحليل العلاقات التي تربط العمال بالمنصات، ورصد الانتهاكات والفجوات القانونية والاجتماعية، واقتراح سياسات وتشريعات تستجيب للواقع اللبناني".
وذكر أن "النتائج الأولية للأبحاث الميدانية تشير إلى وجود آلاف العمال اللبنانيين وغير اللبنانيين المقيمين في لبنان الذين يستخدمون المنصات الرقمية للولوج إلى سوق العمل أو لتأمين دخل أساسي أو إضافي، في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة وانكماش فرص العمل التقليدية. وعلى الرغم من الدور المتنامي لهذه المنصات، يعمل هؤلاء ضمن فراغ تشريعي واسع ومن دون تحديد واضح لطبيعة العلاقة التي تربطهم بالشركات المشغلة".
وأكد أن "هذه الفئة تعمل، في حالات كثيرة، في ظل غياب شبه كامل للضمانات الأساسية: فلا حماية اجتماعية فعلية، ولا حد أدنى مضمون للأجر، ولا تغطية كافية ضد حوادث وإصابات العمل، ولا استقرار مهني، ولا آليات شفافة للاعتراض على القرارات الصادرة عن المنصات. كما يتحمل العامل وحده نفقات المركبة والوقود والصيانة والاتصالات والتأمين، فيما تتحكم المنصة في توزيع المهام واحتساب الأجور والعمولات والتقييمات، وتمتلك سلطة تعليق الحساب أو إغلاقه".
وبين أن "الدراسة تسعى إلى تجاوز النقص الكبير في البيانات المتعلقة بهذا القطاع، وإنتاج معرفة تستند إلى تجارب العمال أنفسهم، بما يساعد على تحديد حجم العمل الرقمي في لبنان، وأشكاله المختلفة، وخصائص العاملين فيه، والمخاطر التي يواجهونها، ومدى استفادتهم من الحماية القانونية والاجتماعية. ومن شأن نتائج هذه الدراسة أن توفر أساسا موضوعيا للحوار مع السلطات والنقابات والمجتمع المدني، وأن تساهم في صياغة إصلاحات قانونية وسياسات عامة قائمة على الأدلة".
وشدد على أن "اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 193، رغم احتوائها على عدد من المسائل التي لا تزال تحتاج إلى مزيد من التطوير والتوضيح، تمثل وثيقة دولية مهمة وأساسية، وتوفر نقطة انطلاق لا غنى عنها لبناء حماية فعلية للعاملين عبر المنصات. ولذلك، فإن الملاحظات النقدية على بعض أحكامها لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتأخير انضمام لبنان إليها، بل يجب أن تدفع إلى التصديق عليها والعمل بمندرجاتها، بالتوازي مع تطوير تشريعات وطنية توفر ضمانات أوسع وأكثر ملاءمة للواقع اللبناني. فالانضمام إلى الاتفاقية لا ينهي النقاش بشأن تنظيم العمل الرقمي، بل يؤسس له ضمن إطار حقوقي ملزم. كما أن الاتفاقية تشكل حدا أدنى مشتركا للحماية، ولا تمنع لبنان من الاستناد إلى نتائج الأبحاث الميدانية لإقرار معايير وطنية أكثر تقدما في مجالات الأجر العادل، والحماية الاجتماعية، والسلامة المهنية، والشفافية الخوارزمية، وحماية البيانات، والتنظيم النقابي، والوصول إلى العدالة".
التوصيف الخاطئ للعمال وثغرات القانون اللبناني
بدوره، قدم المدير التنفيذي للمرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين الدكتور أحمد الديراني، مطالعة حول الوضع القانوني للعاملين عبر المنصات ومقترح تعديل قانون العمل الذي شارك المرصد في إعداده.
وأوضح أن "قانون العمل اللبناني، الصادر عام 1946، لم يعد قادرا بصيغته الحالية على استيعاب التحولات التي طرأت على أنماط الإنتاج والعمل، وخصوصا العلاقات التي تدار من خلال التطبيقات والأنظمة الرقمية".
وأشار إلى أن "هذا القصور التشريعي يسمح بنقل العمال إلى منطقة رمادية بين الأجير والمقاول المستقل، بما يمكن بعض الشركات من ممارسة سلطات صاحب العمل، مع إعفاء نفسها في الوقت نفسه من الالتزامات المرتبطة بالأجر والضمان والتعويضات وإصابات العمل والإجازات والحقوق النقابية".
وأشار الى أن "التوصيف الخاطئ لا يقتصر أثره على العامل وحده، بل يؤدي إلى تحميل أسرته والمجتمع والدولة كلفة المخاطر الاجتماعية والصحية، فيما تحتفظ المنصة بالأرباح والبيانات وسلطة اتخاذ القرار".
ودعا إلى "إقرار تعديلات تشريعية صريحة تعتمد مبدأ "أولوية الوقائع"، بحيث تحدد طبيعة العلاقة استنادا إلى ممارساتها الفعلية، لا إلى الاسم الوارد في العقد. كما طالب بإلزام المنصات بالتصريح عن العاملين لديها، والتسجيل لدى وزارة العمل والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمساهمة في تمويل الحماية الاجتماعية".
وأكد "ضرورة بطلان أي شرط تعاقدي يعفي المنصة مسبقا من المسؤولية أو ينتقص من الحقوق الأساسية للعامل، ولا سيما عندما يكون العقد مفروضا من طرف واحد ولا يملك العامل إمكانية حقيقية للتفاوض بشأنه".
FENASOL: لا حماية من دون تنظيم نقابي ومفاوضة جماعية
وانتقد رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان كاسترو عبد الله والقيادي في الاتحاد محمود شحادة، "التقاعس الرسمي عن إنفاذ اتفاقيات العمل الدولية، وبطء إجراءات مجالس العمل التحكيمية، وضعف الحماية المتاحة للعمال في القطاعات غير المنظمة".
وأكد ممثلا الاتحاد أن "العاملين عبر المنصات يجب ألا يتركوا في مواجهة الشركات الكبرى بصورة فردية، وأن الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية يمثل شرطا أساسيا لتحقيق التوازن في علاقة العمل".
ولفتا إلى أن "الطابع المتنقل للعمل وغياب مكان عمل مشترك والمراقبة الخوارزمية والعقوبات الفردية تجعل التنظيم النقابي أكثر صعوبة، لكنها لا تلغي هذا الحق"، مشددين على "ضرورة منع أي إجراء انتقامي بسبب النشاط النقابي، سواء اتخذ شكل إغلاق الحساب أو خفض التصنيف أو تقليص فرص الحصول على الطلبات".
وأكد الاتحاد "مواصلة الضغط النقابي من أجل انضمام لبنان إلى الاتفاقية رقم 193 ومواءمة التشريعات الوطنية مع أحكامها".
"سمكس": بيانات العمال ليست ملكًا مطلقًا للمنصات
من جهته، شدد مدير برنامج الإعلام في منظمة "سمكس" عبد قطايا على أن "حماية العاملين عبر المنصات لا تكتمل من دون حماية بياناتهم الشخصية وخصوصيتهم الرقمية".
وأوضح أن "المنصات تجمع كميات واسعة من البيانات المتعلقة بالموقع الجغرافي والحركة وساعات العمل وأنماط السلوك والتواصل والتقييمات، وقد تستخدم هذه البيانات لبناء ملفات رقمية تؤثر في توزيع المهام والدخل والتصنيف والاستمرار في العمل".
وأكد "ضرورة التزام المنصات بمبادئ الضرورة والتناسب وتحديد الغرض عند جمع البيانات ومعالجتها، ومنح العاملين الحق في الوصول إلى بياناتهم وتصحيحها ومعرفة كيفية استخدامها والجهات التي تشارك معها".
ورفض "استخدام الخوارزميات أو أدوات المراقبة الرقمية لتعقب النشاط النقابي أو استهداف العمال المشاركين في الاحتجاجات والتحركات الجماعية، محذرا من أن غياب الشفافية قد يؤدي إلى ترسيخ التمييز وإخفائه خلف قرارات تبدو تقنية ومحايدة".
توصيات ختامية إلى السلطات اللبنانية
وخلص اللقاء التشاوري إلى دعوة السلطات اللبنانية لاعتماد "حزمة مترابطة من الإجراءات التشريعية والتنظيمية والمؤسسية، أبرزها:
-1الانضمام إلى الاتفاقية: مباشرة الإجراءات الدستورية والتشريعية اللازمة لانضمام لبنان إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 193 لعام 2026، وإحالتها إلى مجلس النواب وفقا للأصول.
-2إعداد خطة وطنية للتنفيذ: تشكيل لجنة وطنية تشاركية تضم الحكومة والعمال وأصحاب العمل والنقابات والهيئات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني والخبراء التقنيين، لإعداد خطة زمنية لتنفيذ الاتفاقية.
-3تعديل قانون العمل: توسيع تعريف العامل وعلاقة العمل بما يشمل الأشكال المستحدثة للعمل الرقمي، واعتماد مبدأ أولوية الوقائع بدلا من الاكتفاء بالمسميات التعاقدية.
-4اعتماد قرينة علاقة العمل: افتراض وجود علاقة عمل عندما تتحكم المنصة في الأجر أو توزيع المهام أو شروط الأداء أو التقييم أو العقوبات، على أن يقع على المنصة عبء إثبات العكس.
-5مراجعة العقود: إبطال الشروط التي تعفي المنصات من مسؤولياتها أو تحرم العمال من الحقوق الأساسية، وضمان توفير العقود بلغة واضحة ومفهومة.
-6إنشاء سجل وطني للمنصات: إلزام جميع المنصات الرقمية العاملة في لبنان بالتسجيل والإفصاح عن هويتها القانونية، وسياسات الأجور والعمولات، وآليات توزيع المهام، ومعايير التقييم والعقوبات، وسياسات حماية البيانات.
-7ضمان الشفافية الخوارزمية: إلزام المنصات بتقديم معلومات واضحة حول كيفية اتخاذ القرارات المؤثرة في العمال، بما فيها الأجور والتقييمات وتوزيع المهام وتعليق الحسابات.
-8حظر القرارات المؤتمتة التعسفية: عدم جواز تعليق حساب العامل أو إغلاقه أو خفض تصنيفه بقرار مؤتمت صرف، وضمان حقه في الحصول على تفسير ومراجعة بشرية فعالة.
-9ضمان الأجر العادل: احتساب كامل وقت الإتاحة والانتظار والتنقل المرتبط بالعمل، مع مراعاة النفقات التي يتحملها العامل عند قياس الأجر الفعلي.
-10توفير الحماية الاجتماعية: إدماج عمال المنصات في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإلزام المنصات بتحمل حصتها العادلة من الاشتراكات.
-11حماية السلامة والصحة المهنية: فرض تقييمات دورية للمخاطر المهنية، ومنع الحوافز والمهل الخوارزمية التي تدفع العمال إلى القيادة المتهورة أو العمل المفرط.
-12 حماية الحرية النقابية: ضمان حق عمال المنصات في التنظيم والمفاوضة الجماعية، وحظر الانتقام الخوارزمي أو الرقمي بسبب النشاط النقابي.
-13حماية البيانات والخصوصية: منع جمع أو معالجة البيانات التي لا ترتبط مباشرة بالعمل، وحظر مراقبة النشاط النقابي أو استخدام البيانات لإنتاج قرارات تمييزية.
-14توفير آليات الانتصاف: إنشاء آليات شكاوى سريعة وميسرة ومجانية، وتعزيز اختصاص القضاء في المنازعات الرقمية، وتوفير المساعدة القانونية والحماية من الانتقام.
-15عدم التمييز: ضمان استفادة جميع العاملين من الحماية القانونية والاجتماعية، بصرف النظر عن الجنسية أو الجنس أو الإعاقة أو وضع الإقامة أو المسمى التعاقدي".
الفئات الأكثر هشاشة في قلب الحماية
وأكد المشاركون ضرورة إيلاء اهتمام خاص للعمال المهاجرين واللاجئين وسائر الفئات الأكثر عرضة للاستغلال، إذ يعمل عدد منهم عبر المنصات من دون عقود واضحة، أو حماية اجتماعية، أو قدرة فعلية على الوصول إلى القضاء وتقديم الشكاوى.
وشدد اللقاء على أن الحقوق الأساسية في العمل لا يجوز أن تتوقف على الجنسية أو وضع الإقامة أو نوع العقد، وأن الحماية من الاستغلال والتمييز وإصابات العمل والقرارات التعسفية يجب أن تشمل جميع العاملين دون استثناء.
كما دعا المشاركون إلى ضمان إتاحة آليات الشكاوى بلغات مفهومة للعمال، وتوفير المساعدة القانونية، وعدم استخدام الوضع الإداري أو الإقامة أداة لمنع العامل من المطالبة بحقوقه.
نحو اقتصاد رقمي قائم على الكرامة والعدالة.
وفي ختام اللقاء، أكد المشاركون أن "تنظيم اقتصاد المنصات لا يهدف إلى تعطيل الابتكار أو الحد من فرص العمل، بل إلى ضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتوسيع الاستغلال وإخفاء المسؤولية القانونية".
وشددوا على أن "الإدارة الخوارزمية ليست مسألة تقنية بحتة، بل هي مسألة حقوق وسلطة ومساءلة، وأن أي نظام يحدد الأجر أو يوزع فرص العمل أو يفرض العقوبات أو ينهي علاقة العمل يجب أن يخضع للقانون والرقابة والمراجعة البشرية".
كما أكدوا أن "انضمام لبنان إلى الاتفاقية رقم 193 يشكل خطوة ضرورية نحو بناء اقتصاد رقمي عادل، تتكامل فيه المرونة مع الاستقرار، والابتكار مع الحماية، والتكنولوجيا مع الكرامة الإنسانية. فالخوارزميات يجب أن تكون في خدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان خاضعا لقرارات خوارزمية لا يعرفها ولا يستطيع مساءلتها".






التعليقات (0)