"الشّمـسُ جديـدةٌ كـلّ يـوم"، يقول هيرقليطس.
وإذا كان نور الأرض المادّي في تجـدّدٍ يوميّ فهـذا يعنـي أنّه علينا أن نتجدّدَ معه كلّ يـوم دون كللٍ أو مللٍ من مَهمّة إصلاح أنفسِنا.
لا شيءَ يبقى على ما هو عليه، وإن بقيَ فبصفةٍ وصيغةٍ تختلف عن الأصل. والأصل قد يتغيّر ويُعدَّل ليس بهدفِ التّغييرِ فحسب بل بهدف التّطوّر والتّحوّل الى حالٍ أفضل.
إنّ المكوثَ لوقتٍ طويلٍ في بقعةِ أفكارٍ جامدة من شأنه أن يعرقلَ طريقَ الانطلاق أو النّهوض. فتترسّبُ القناعات في بُركٍ آسنة تمنع تغييرَ النّمط السّلوكي للفرد. وكم لاحظنا عبر التّاريخ أنّ المجتمعات التي تبنَّتْ معتقداتٍ ثابتةً وقويّةً والتزمَتِ الحفاظَ عليها والدّفاع عنها باعتبارها حقائقَ مطلقة لا حياد عنها، كانت أكثر المجتمعات تقوقعاً وتأخّراً عن ركب التّطوّر الفكريّ والعلميّ والعمليّ. لأنّ الحقائقَ مهما اقتربَتْ من المطلق، تبقى قابلةً للنّقضِ إذا أردنا لها أن تسيرَ بمحاذاةِ ركبِ الحياة وتجدّدها.
عبر الأزمنةِ، قناعاتُ كثيرة تغيّرت وتبدّلَتْ واتّسعَتِ الهوّة بين النّمطية التي أنتجَها البشر في سياق تطوّرهم الإجتماعي وبين ما وصلوا اليه في الواقع؛ فكثُرَتْ الحروب بين الشّعوب وازدادت المآسي. والغريبُ أنّ القادةَ المتحاربين والضّحايا على السّواء كانوا متأكّدين من معتقداتهم وأسبابهم الدّافعة الى الموت لإيمانهم المطلق بصحّة أفكارهم. وفي هذا المعنى يقول برتراند رسل: "لن أموتَ لأجل قناعاتي فقد أكون على خطأ".
عندما تكثر الأزمات يتّجه الفكر الإنساني الى استكشاف آفاق جديدة يتّسع لها العقل في قراءات مختلفة لسائر القضايا البشرية والعمل على تحديث أو استنباط الحلول والأفكار لإحداث نقلة نوعيّة في تطوّر المجتمعات.
السّؤال هو مفتاح التّغيير والمدخل الى اليقين والمنقذ من الجمود. فيما مضى كان السّؤال ممنوعاً، والشّكّ كان مرفوضاً بل ومحرّماً من قبل سلطات تُرهب أتباعَها، لأنّهم لو سمحوا للشّكّ أو التّساؤل الدّخول الى أفكارِ مؤيديهِم لما انخرطَ هؤلاء في حروبٍ يموتون فيها لأجل أفكارٍ قد تكون خاطئة.
ليس أسهل من الإيمان الأعمى بفكرةٍ مـا. ولا يلزم الإنسانَ سوى الاستسلام والرّضوخ. أمّا الشّكّ بها فيتطلّب التّحليل والتّفكير والتّأمّل والتّساؤل وتحريك الإدراك والوعي وتفعيل الضّمير.
وليس أخطر على الفكر من القبول بسجن الفكرة حين تستقوي على الفرد، وتتغلّب عليه، وتقتاده دون رضاه الى حيث تكون خواتيمها، التي لم يكن ليرضى بها لو كان لديه إرادة الوعي وحريّة الاختيار.





