يبقى احتلال الأرض أخفّ وطأةً من إفراغها، عبر تهجير أهلها ونسف منازلها وطمس معالمها وهدم مقوّمات الحياة فيها. فالمحتلّ أرضاً يصادر بقعةً منها ويسيطر عليها ويُرهب المواطنين ويقمع حريتهم ويحدّ من حركتهم ويقيم حواجز للتفتيش والاستفزاز، ويعتقل الشباب ويهين المسنّين وينشر الشعور بالمذلّة في النفوس ويتعدّى على الممتلكات ويفرض إرادته بقوّة السلاح، وهي ممارساتٌ ينتشي بها كلّ غاصبٍ للأرض، لكنها تبقى آنيةً، ولو طالت لسنواتٍ أو عقود، لأنه في نهاية المطاف سيحزم أمره ويغادر الأرض تاركاً إياها لأهلها الذين سيعيدون تطهيرها من رجسه، ويحيلون ما عاشوه وعانوه في ظلّ ممارساته إلى قصصٍ يروونها في سهراتهم، تحكي بطولاتٍ وانكسارات، وتستعيد أياماً عبرت وأسماء أحبّةٍ رحلوا، ويضيف بعضهم إليها مواقف لا تخلو من طرائف ومبالغات.. كل هذا يحدث وهؤلاء ينعمون بدفء بيوتهم، ويغمضون أعينهم على حلم أن يستقبلوا شمس اليوم التالي على "السطيحة" مع فنجان قهوة وصوت فيروز، يعطّرون أرواحهم بعبق الأرض، ويجولون بأهداب العيون على أرزاقهم، ممنّين النفس بالخير الوفير، وقد بات المحتلّ أثراً بعد عين.
أما إجبار الناس على ترك قراهم والنزوح عنها إلى المجهول، وتدمير وحرق وجرف منازلهم ومصادرة أرزاقهم وإتلاف مصادر رزقهم لأجيال، فتتجاوز كونها جريمةً بحقّ الحجر والشجر، لتبلغ مستوى الإبادة الجماعية المستقبلية. إنها اقتلاعٌ للإنسان من بيته، ومحوٌ لأرضه، ونحرٌ لأمانه، وطمسٌ لماضيه، وخنقٌ لحاضره، وتبديدٌ لمستقبله، ونفيٌ له عن بيئته، وسلخٌ عن هويته. إنها فعل قتلٍ يوميّ للذاكرة الجماعيّة، يجرّد ضحاياه من أرواحهم ولو بقوا أحياء، ويحيل كل ذكرى لأرضٍ وبيتٍ وأسرة وطفولةٍ وفرحٍ وحبّ إلى خنجرٍ مغروسٍ في تلابيب القلب، يدميه حتى آخر نفس.
من يقدر على عيش مثل هذه الخسارات، أو يرضى بالتسليم بمآسيها؟ من الذي سمح بها، ومن يجرؤ على تحمّل المسؤولية عمّا وصلت إليه حال القرى والمدن في جنوب لبنان؟ وأيّ ثأرٍ يمكن أن يعوّضها ويعيد ما كان، أو يحييها وقد باتت رماداً وأثراً بعد عين ونثر هباء؟
ألم يحن الوقت لوقف النزف، ولوقفة ضمير، ولتغليب المصلحة العامة على المصلحة الضيّقة، أياً يكن توصيفها ومعتقداتها وغاياتها وقدراتها؟
ألم نتعلّم من جلجلة الحروب والنزاعات والمغامرات والتفرّد بالقرارات والأحلام بالدويلات، أنْ لا خلاص لنا إلا بدولةٍ متكاملة الأركان، كيانها واحد، الإمرة فيها للقانون، وقرار الحرب والسلم للسلطة الشرعية، والذود عنها مهمةٌ يتولاها جيشٌ واحد، ويسودها السلام والأمان والاستقرار؟






التعليقات (0)