بيئة

قمة المناخ المصغرة في بروكسل... هل تبحث الإبادة البيئية في لبنان كجريمة حرب دولية؟

قمة المناخ المصغرة في بروكسل... هل تبحث الإبادة البيئية في لبنان كجريمة حرب دولية؟

تبدأ اليوم الثلاثاء 7 نيسان/أبريل "قمة بروكسل المصغرة للأمن المناخي في مناطق النزاع" Brussels Mini-Summit on Climate Security in Conflict Zones أو بالإسم الذي يتم تداوله كإختصار لها أي "قمة الإبادة البيئية" The Ecocide Summit، والتي تستمر حتى التاسع من نيسان، وهي القمة التي تمثل فعلياً الانعطافة التاريخية الأولى في التعامل مع "بيئة الحروب" كقضية جنائية دولية وليست مجرد "أضرار جانبية"، بكسر المحرمات حيث سيتم فتح ملف انبعاثات الحروب وقذائفها للمرة الأولى في قمم المناخ!


من "تغير المناخ" إلى "الإبادة البيئية" (Ecocide)


لأول مرة، يتم طرح مصطلح "الإبادة البيئية" كجريمة حرب خامسة أمام نظام روما الأساسي (المحكمة الجنائية الدولية) في بروكسل اليوم، لم يعد النقاش عن "حرارة الجو"، بل عن تعمد تسميم التربة بالفسفور والبارود وتدمير محطات المياه (كما حدث في كل من الجنوب وغزة)، واعتبار ذلك جريمة تستوجب الملاحقة القضائية للقادة العسكريين.


 إلغاء "الاستثناء العسكري"


لسنوات طويلة، كانت انبعاثات الجيوش والحروب "خارج الحسابات" الرسمية للمناخ، قمة بروكسل اليوم بدأت بفرض "بروتوكول الشفافية العسكرية"، الذي يُلزم الدول بتقديم بيانات عن التلوث الناتج عن القصف والعمليات الحربية، واعتباره جزءاً من حصتها المسموحة من الكربون.


 الربط العضوي بين "النزوح" و"المناخ"


في هذه القمة، تم الاعتراف بأن "النزوح القسري" ليس أزمة إنسانية فقط، بل هو "زلزال ديموغرافي بيئي" يدمر التنوع الحيوي ويخلق ضغطاً هائلاً على الموارد الطبيعية في مناطق الإيواء، مما يجعل التعافي مستحيلاً دون "خطة مارشال بيئية".


خطة مارشال البيئية


مصطلح "خطة مارشال البيئية"(Environmental Marshall Plan)  هو استعارة سياسية واقتصادية مستوحاة من "خطة مارشال" الأصلية التي وضعتها الولايات المتحدة لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي سياقنا الحالي، وتحديداً في ظل ما تناقشه قمة بروكسل 2026، تشير الخطة إلى برنامج دعم دولي ضخم وشامل يهدف إلى إنقاذ المنظومات البيئية التي دمرتها الحروب أو التغير المناخي المتسارع.


ويمكن اعتبار "خطة مارشال بيئية" كـ "الحل الجذري" الذي يجب أن تطالب به الدولة اللبنانية في قمة بروكسل، فالمطالبة بمساعدات غذائية هي حل ليوم واحد، أما المطالبة بخطة مارشال بيئية للجنوب والضاحية فهي استعادة لمستقبل الحياة في تلك المناطق.


إليكم شرح لأركان هذه الخطة ومقومات نجاحها:


1- الفلسفة الجوهرية: "التعافي من أجل البقاء"


بدلاً من التركيز فقط على إعادة بناء الجسور والمباني (الإعمار التقليدي)، تركز الخطة البيئية على إعادة إحياء "البنية التحتية الطبيعية". الفكرة هي أن الاقتصاد والمجتمع لا يمكنهما النهوض إذا كانت التربة مسممة بالمواد الكيميائية، والمياه الجوفية ملوثة، والمساحات الخضراء محترقة.


2- الركائز الأساسية للخطة


تعتمد أي "خطة مارشال بيئية" جادة على أربعة أعمدة:


·         التمويل الضخم والعابر للحدود: ضخ استثمارات دولية بمليارات الدولارات (غالباً من الدول الكبرى أو عبر غرامات "الإبادة البيئية") لتمويل مشاريع التحول الأخضر في المناطق المتضررة.


·         تطهير وإصلاح الأراضي (Remediation):البدء بعمليات تقنية معقدة لإزالة آثار الفسفور الأبيض، المعادن الثقيلة من القذائف، والألغام، لإعادة الأراضي الزراعية (مثل جنوب لبنان) إلى الخدمة.


·         السيادة الطاقوية والمائية: استبدال محطات الطاقة المدمرة بأنظمة طاقة متجددة (شمسية، رياح) لا تسبب تلوثاً وتكون أقل عرضة للاستهداف مستقبلاً، مع بناء شبكات مياه ذكية.


·         نقل التكنولوجيا البيئية: توفير أحدث تقنيات "الزراعة التجديدية" (Regenerative Agriculture)  لمساعدة المزارعين على استعادة إنتاجية أرضهم بسرعة وبطرق مستدامة.


3- الأثر على الأرض (لماذا هي مختلفة؟)


·         خلافاً للمساعدات الإنسانية المؤقتة، تهدف هذه الخطة إلى خلق "أثر دائم":


·         منع النزوح الطويل: إذا عادت الأرض صالحة للزراعة والمياه صالحة للشرب، سيعود الناس إلى قراهم.


·         خلق فرص عمل خضراء: تتحول عمليات إعادة الإعمار إلى ورشة عمل ضخمة لآلاف الشباب في مجالات البيئة والطاقة المستدامة.


·         الحماية من الكوارث المستقبلية: التشجير الممنهج يحمي من الانجرافات والفيضانات التي تزيدها حدة التغيرات المناخية.


ما هو التشجير الممنهج (من النقطة السابقة)؟


التشجير الممنهج (Systematic Reforestation) ليس مجرد عملية غرس عشوائي للأشجار، بل هو استراتيجية علمية وهندسية تهدف إلى استعادة النظم البيئية المتدهورة بناءً على مخططات دقيقة تراعي نوع التربة، المناخ، والتنوع الحيوي المحلي.


في سياق "خطة مارشال البيئية" التي ناقشناها، يعتبر التشجير الممنهج الأداة الأقوى لترميم ما أحرقته الحروب. إليك شرح لمراحله وأهميته:


1- مراحل التشجير الممنهج


لا تبدأ العملية بحفر الأرض، بل بسلسلة من الخطوات التقنية:


·         تحليل الموقع (Site Analysis): فحص التربة للتأكد من خلوها من الملوثات (مثل الفسفور أو المعادن الثقيلة الناتجة عن القذائف) وتحديد المحتوى المائي لها.


·         اختيار "الأنواع الأصيلة" (Native Species): التركيز على الأشجار التي تنمو طبيعياً في المنطقة (مثل الأرز، السنديان، أو الملول في لبنان). هذه الأشجار تمتلك "ذاكرة وراثية" تجعلها أكثر قدرة على مقاومة الآفات والجفاف المحلي.


·         "التصميم المكاني" د(Spatial Design): توزيع الأشجار بمسافات مدروسة تسمح بنمو الجذور دون تنافس حاد، وتخلق "ممرات حيوية" للحيوانات والطيور المهاجرة.


·         "الرعاية اللاحقة" (Post-Care): وضع خطة ري وحماية من الرعي الجائر والحرائق لمدة لا تقل عن 3 إلى 5 سنوات حتى تصبح الشجرة قادرة على الاعتماد على نفسها.


2- الفوائد الاستراتيجية (لماذا هو "ممنهج"؟)


·         مكافحة التصحر وانجراف التربة: تعمل الجذور كـ "مرساة" تثبت التربة، خصوصا في المناطق الجبلية والمنحدرات التي تعرضت للقصف، مما يمنع السيول الجارفة.


·         تطهير الأرض (Phytoremediation): بعض أنواع الأشجار لديها قدرة مذهلة على امتصاص السموم والمعادن الثقيلة من التربة وتخزينها في أنسجتها، مما ينظف الأرض مع مرور الوقت.


·         إعادة بناء "مخازن المياه": الغطاء الشجري الكثيف يقلل من تبخر مياه الأمطار ويسمح لها بالتسرب ببطء إلى الخزانات الجوفية، مما يحيي الينابيع الجافة.


·         امتصاص الكربون: الغابات الممنهجة هي "رئات" اصطناعية تمتص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، مما يساعد في تحقيق أهداف قمة بروكسل للمناخ.


ماذا يحتاج لبنان بيئيا الآن


في الواقع، يمثل "التشجير الممنهج"  Systematic Reforestation والمصطلح الأصح "الترميم البيئي" Ecological Restoration و"التخطيط الحضري المستدام" Sustainable Urban Planning يمثلان جناحي طائر واحد لا يمكن للبنان التحليق والتعافي بدونهما، لا سيما بعد الزلازل الأمنية والاقتصادية التي عصفت به وببنيته التحتية.


أما كيف يمكن لهذا الثنائي إنقاذ الواقع اللبناني بعيداً عن "الترقيع" التقليدي:


1- التشجير الممنهج: "رئة" لبنان المفقودة


·         ما نحتاجه في لبنان ليس مجرد "حملات غرس أشجار" لالتقاط الصور، بل استراتيجية وطنية تعيد إحياء ما دمره الفسفور والحرائق:


·         أحزمة خضراء عازلة: زراعة أشجار محلية (مثل السنديان والبطم) حول القرى والبلدات وليس التشجير العشوائي بأنواع غريبة (مثل الصنوبر البروتي في مناطق غير مناسبة) والذي قد يؤدي إلى حرائق أسرع أو استهلاك جائر للمياه، بينما التشجير الممنهج يعيد التوازن الأصلي للأرض، وهذه الأشجار تشكل مصدات طبيعية للحرائق ومنقية للهواء من سموم القذائف.


·         الزراعة الحراجية (Agroforestry): دمج الأشجار الحراجية مع المحاصيل الزراعية (مثل الزيتون والخروب) لدعم المزارع الجنوبي والمناطق التي تم استهدافها بالقذائف لتعمل على تثبيت التربة ومنع انجرافها في المنحدرات التي تعرضت للقصف.


2- التخطيط الحضري المستدام: إعادة إعمار "الضاحية" والمدن والقرى


التخطيط المستدام يعني ألا نعيد بناء ما تهدم بنفس العشوائية السابقة، بل بذكاء يراعي المستقبل:


·         المدن الإسفنجية (Sponge Cities): تصميم شوارع وساحات في بيروت والضاحية والجنوب قادرة على امتصاص مياه الأمطار وتخزينها في خزانات جوفية بدلاً من غرق الشوارع بالسيول وتلوث البحر.


·         المساحات الخضراء الحضرية: بتحويل الركام والمساحات الفارغة إلى "رئات خضراء" وسط الاكتظاظ السكاني، مما يخفض حرارة المدن ويحسن الصحة النفسية للسكان النازحين والعائدين، وذلك بمتنزهات وطنية جامعة للثقافة وللطبيعة.


·         كفاءة الطاقة والنفايات: بناء أحياء تعتمد على الطاقة الشمسية اللامركزية (كما بدأ اللبنانيون يفعلون بجهد شخصي) وتدير نفاياتها من المصدر، مما يخفف العبء عن الدولة "المشلولة".


الترميم البيئي كمشروع وطني لبناني بامتياز


يمكن للجهات الرسمية والخاصة تقديم هذه الرؤية كـ "مشروع وطني" للجهات المانحة:


·         تمويل دولي: الصناديق التي تناقشها القمة اليوم تبحث عن مشاريع "خضراء" ومستدامة لتمويلها، وليس عن مجرد صب الخرسانة (الإسمنت).


·         الأمن القومي البيئي: استعادة الغطاء النباتي هو حماية للأمن المائي والغذائي اللبناني، وهو خط الدفاع الأول ضد التغير المناخي.


لبنان ليحلق كالفينيق من تحت الرماد!


ختاما، تضع "قمة بروكسل للأمن المناخي" لبنان أمام "فرصة من رحم الأزمة"، لانتزاع اعتراف دولي بـ "الإبادة البيئية"  (Ecocide) التي تعرض لها، وتحويل دخان القذائف إلى ملفات قضائية تلاحق المرتكبين. إلا أن العدالة الدولية تظل ناقصة ما لم تقترن بـ "خطة مارشال بيئية" وطنية تتبنى الترميم البيئي (Ecological Restoration) والتخطيط الحضري المستدام (Sustainable Urban Planning) كركائز لإعادة الإعمار.


وبما أننا مضطرون لإعادة الإعمار في مناطق كثيرة، فلماذا لا نبنيها لتكون مدناً مرنة (Resilient Cities) وقرى خضراء تصمد أمام تقلبات المناخ والسياسة؟ إن استبدال "عشوائية الإسمنت" بـ "التشجير الممنهج" وتحويل ركام الضاحية والجنوب إلى "مدن إسفنجية" ورئات خضراء، ليس مجرد ترف بيئي، بل هو معركة استعادة "الأمن القومي" بمفهومه الشامل.


فالمعركة اليوم لم تعد تقتصر على وقف النيران، بل في ضمان ألا تتحول أرضنا إلى صحراء مسمومة، وفي بناء مدن مرنة قادرة على امتصاص الصدمات والتحليق مجدداً كالفينيق من تحت الرماد، وبالتالي يكون سلاما بيئيا يخدم الإقتصاد والسياسة والمجتمع في آن معا!


الصورة بالإستعانة بالذكاء الإصطناعي


 


 

سوزان أبو سعيد ضو

سوزان أبو سعيد ضو

Managing Editor

ناشطة بيئية وصحافية متخصصة بالعلوم والبيئة

تابع كاتب المقال:

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يشارك رأيه.

أضف تعليقك

سيتم نشر التعليق بعد مراجعته من الإدارة.