في العرف الدبلوماسي اللبناني، هناك دائماً صراع بين محورين للحل، وفي مؤتمر الإليزيه فإن استثناء إيران من اجتماع الدول الخمس أي فرنسا، الولايات المتحدة الأميركية، المملكة العربية السعودية، مصر وقطر، فهذا يحمل رسائل مشفرة غاية في الخطورة في توقيت "مقصلة ترامب".
أولا: عزل النفوذ الإيراني
الاجتماع بدون إيران يعني أن هذه الدول تحاول صياغة "خارطة طريق" لبنانية (رئيس جديد، ترتيبات حدودية، تنفيذ القرار 1701) بعيداً عن شروط طهران، وهذا إن كان يمكن تفسيره، فإنه في هذا التوتر الحالي بين بعبدا (التي تتماهى مع الخماسي) وعين التينة (التي تنسق مع السفير شيباني)، وتنتظر "كلمة السر" من طهران
- شرعنة "البديل": غياب إيران عن هذه الطاولة يعني أن دول الخماسي لم تعد تعتبر إيران "شريكاً في الحل" بل "جزءاً من المشكلة" التي يجب معالجتها قبل انتهاء مهلة الـ 6 من نيسان.
- الضغط على الحلفاء في الداخل: هو رسالة مباشرة للقوى اللبنانية المتحالفة مع إيران بأن "الغطاء الدولي" متوفر فقط عبر هذه القنوات الخمس، وأن الرهان على طهران في هذه الأيام الخمسة المتبقية قد يكون مقامرة خاسرة.
ثانيا: حالة المؤتمر: "تأجيل اضطراري" أم "تحضير للانفجار"؟
المؤتمر الذي كان مقرراً عقده في الخامس من آذار/مارس لدعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية، تم تأجيله رسمياً إلى نيسان/أبريل (أي خلال الأيام التالية) بسبب تدهور الأوضاع الميدانية والتوغل الإسرائيلي.
- الموافقة: الدول الخماسية (أمريكا، فرنسا، السعودية، قطر، مصر) أبدت موافقة مبدئية كاملة، لكن التحفظات ظهرت حول "التوقيت الجيوسياسي".
- التحدي الجديد: الدول المشاركة تخشى أن يكون المؤتمر بمثابة "تغطية دولية" لعملية عسكرية كبرى قد تلي انقضاء مهلة ترامب في 6 نيسان.
- مواقف الدول "الخماسية" من مؤتمر نيسان:
* فرنسا: تضغط لعقد المؤتمر فوراً لمنع الانهيار الكامل للمؤسسة العسكرية، وتعتبره الفرصة الأخيرة لفرض "الخيار الثالث" بعيداً عن صراع المحاور.
* الولايات المتحدة الأميركية: تربط دعمها بمدى جدية "خطة الدرع الوطني" في نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني، وتعتبر المؤتمر أداة ضغط قبل 6 نيسان.
* المملكة العربية السعودية: تدعم المؤتمر بشرط وجود ضمانات سيادية حقيقية (حصر السلاح)، وهي ترفض أي دور لإيران في تمويل أو إدارة النتائج.
* مصر وقطر: تعملان كـ "جسور دبلوماسية" لتأمين أوسع مشاركة دولية، مع تركيز خاص على الدعم اللوجستي والمادي الفوري للعسكريين.
- ما الذي يدور في "كواليس الإليزيه" الآن؟
تفيد مصادر دبلوماسية أن فرنسا تحاول "توسيع" أهداف المؤتمر من مجرد "دعم مادي للجيش" إلى "مظلة أمان سياسية":
- الهدف الخفي: إعلان بيروت "منطقة منزوعة السلاح الثقيل" دولياً لحمايتها من استهدافات مشابهة لـ "المنصورية".
- العقدة الإيرانية: باريس ترفض دعوة طهران، ما دفع الأخيرة عبر "شيباني" للضغط في بيروت لعرقلة أي قرارات تصدر عن المؤتمر وتعتبر "سيادية أكثر من اللازم".
- السباق مع الزمن: بقي أربعة أيام على مهلة ترامب، مؤتمر الإليزيه (إذا انعقد في الساعات القادمة) سيكون إما "طوق نجاة" للبنان عبر تقوية الجيش لملء الفراغ في الجنوب (رأس البياضة)، أو سيكون مجرد "بيان ختامي" يسبق العاصفة.
بناءً على التطورات الدبلوماسية الأخيرة المتسارعة، فإن مؤتمر باريس (الذي تأجل من آذار إلى نيسان 2026 بسبب التصعيد الإقليمي) يُعدّ "حجر الزاوية" في محاولة إنقاذ الدولة اللبنانية من التحلل الكامل تحت ضغط "مقصلة ترامب".
ثالثا: لبنان
سيبحث المؤتمر حالة لبنان بشكل شامل، وبحضور متوقع للعماد جوزاف عون الذي يمثل "الضمانة السيادية" للخارج. إليكم الجوانب الأساسية التي سيعالجها المؤتمر حسب الأجندة المسربة
- الجانب الأمني والعسكري (الأولوية القصوى)
هذا هو المحرك الفعلي للمؤتمر، حيث يهدف لتعزيز قدرة المؤسسة العسكرية على ملء الفراغ الناتج عن انسحاب أو تراجع أي قوى أخرى.
- دعم "خطة الدرع الوطني: توفير التمويل والعتاد لتمكين الجيش من الانتشار الكامل في الجنوب (وصولاً إلى رأس البياضة والناقورة) تنفيذاً للقرار 1701.
- نزع السلاح: وضع آليات تقنية دولية لدعم الجيش في مهام "تفكيك البنية التحتية العسكرية" غير الشرعية، وهو شرط أساسي وضعته واشنطن والرياض.
- رواتب العسكريين: تأمين "صندوق دعم دولي" لضمان استمرارية رواتب الجيش وقوى الأمن الداخلي في ظل الانهيار المالي، لمنع أي تفلت أمني داخلي.
- كسر الجمود الرئاسي: سيتم الضغط عبر "الخماسي" لفرض انتخاب رئيس للجمهورية كشرط مسبق لتدفق المساعدات الكبرى.
- تحجيم التدخل الخارجي: المؤتمر يُعقد "بدون إيران" ليرسل رسالة واضحة بأن الحل اللبناني يمر عبر "المظلة الدولية العربية" فقط، وهو ما يفسر حدة التوتر مع السفير شيباني في بيروت.
- أزمة النزوح: تغطية احتياجات أكثر من 1.2 مليون نازح، مع التركيز على قطاعات الصحة والمياه والتعليم التي تضررت بفعل الغارات (بما في ذلك المناطق التي استُهدفت مؤخراً كالمنصورية).
- إعادة الإعمار المشروطة: تقديم وعود بتمويل إعادة إعمار القرى الحدودية "المبترة جغرافياً" فور تثبيت وقف إطلاق النار الدائم.
- تحرك اليونسكو حماية التراث والثقافة (المستجد الأخير): بالتوازي مع المؤتمر، وضعت اليونسكو 39 موقعاً ثقافياً لبنانياً تحت "الحماية المعززة"، وسيتم بحث سبل حماية هذه المواقع (مثل قلعة بعلبك ومواقع صور) من الاستهداف العسكري المباشر.
إذن، المؤتمر ليس مجرد اجتماع لجمع التبرعات، بل هو "عملية جراحية دولية" لإعادة هيكلة السلطة في لبنان؛ حيث يراهن الإليزيه على أن تقوية "الجيش" هي المدخل الوحيد المقبول دولياً لإنهاء الحرب وتجنب الصدام المباشر بين إيران وواشنطن في 6 نيسان.
والجانب الأكثر حساسية وخطورة في المشهد الحالي، فإن المؤتمر لن يبحث "المشاركة الفاعلة" للجيش في الحرب ضد إيران، بل يبحث "تحييده" و"تقويته" ليحل محل نفوذها في الداخل.
ماذا يدور خلف الأبواب المغلقة في الإليزيه وبشأن "مطالب ترامب":
1- موقف ترامب: "ادفعوا ثمن أمنكم"
ترامب لا يطالب لبنان (أو الدول العربية) بإرسال جيوشها للقتال داخل إيران، بل يطالب بـ "المشاركة المالية واللوجستية":
- التمويل: إدارة ترامب صرحت بوضوح (عبر المتحدثة كارولين ليفيت) أنها تتوقع من الدول العربية "المساهمة في تكاليف الحرب ضد إيران".
- الضغط الميداني: ترامب يريد من الجيش اللبناني تنفيذ "خطة الدرع الوطني" بصرامة، أي تفكيك بنية حزب الله العسكرية تماماً، وهو ما يراه ترامب "جزءاً من الحرب الشاملة على أذرع إيران" دون الحاجة لتوريط الجيش في مواجهة إقليمية مباشرة.
2- مؤتمر الإليزيه: "الجيش كبديل وليس كمحارب"
فرنسا، وبالتنسيق مع السعودية وقطر، ترفض تماماً فكرة تحويل الجيش اللبناني إلى "طرف في حرب إقليمية". الأجندة تتركز على:
- الفصل بين المسارات: المؤتمر يسعى لإقناع واشنطن بأن قوة الجيش هي الضمانة الوحيدة لمنع إيران من استخدام لبنان "منصة صواريخ" في الـ 5 أيام القادمة (مهلة الـ 6 من نيسان).
- الدور الدفاعي والسيادي: سيتم البحث في كيفية انتشار الجيش في رأس البياضة والحدود لمنع الاحتلال الإسرائيلي من البقاء، ولتأكيد أن الدولة هي صاحبة القرار الوحيد، وليس طهران.
3- العقدة الكبرى: "مقصلة الـ 5 أيام"
هناك تخوف حقيقي في أروقة الإليزيه من أن ترامب قد يستخدم نتائج المؤتمر كـ "غطاء":
- إذا نجح المؤتمر في تقوية الجيش، قد يعتبر ترامب ذلك ضوءاً أخضر لضرب إيران بقوة أكبر، معتمداً على أن "الداخل اللبناني أصبح مؤمناً بواسطة الجيش".
- الموقف الإيراني: طهران تدرك هذا الأمر، ولذلك يمارس السفير شيباني ضغوطاً هائلة في بيروت لتصوير المؤتمر على أنه "مؤامرة لتجريد المقاومة من سلاحها" تمهيداً لضرب إيران.






التعليقات (0)