لم تكن مسافة الـ "ثمانية كيلومترات" التي أعلنها رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو مجرد ترسيم حدود أمني جديد فحسب، بل هي عملية بتر جغرافية Geographic Amputation واقتلاع Uprooting ديموغرافي يُمارس على طول الحدود اللبنانية.
فبينما تنشغل الصالونات السياسية في بيروت بالخلاف حول مصير سفير أو ترحيله، يقضم الاحتلال بصمت 75 بلدة وقرية جنوبية، محولاً شريطاً حدودياً عريضاً يمتد من الناقورة غرباً إلى الخيام وشبعا شرقاً إلى "أرض محروقة"، أو ما يمكن وصفه بـ "حزام نار" عازل"، وليس ذلك فحسب، بل محولة حوالي 250 ألف نازح داخليا إلى نازح ومهجر دائم.
وفي عمق هذا "البتر الجغرافي"، لا تبدو الـ 8 كيلومترات مجرد مسافة عازلة، بل هي 'منطقة قتل (Kill Zone) مُمنهجة تستهدف كل من يحاول توثيق الحقيقة من زملاء وزميلات من الإعلام، أو ملائكة الرحمة من المسعفين والمسعفات. فمن طير حرفا إلى بنت جبيل، وقبلها في جزين (ليست ضمن المنطقة العازلة) تحولت سيارات الإسعاف وعدسات المصورين إلى أهداف مشروعة لنيران الاحتلال، والهدف واضح: إخلاء الساحة من الشهود قبل إكمال عملية المسح الشامل للقرى. إن استهداف المسعفين والصحفيين في هذا الحزام ليس صدفة ميدانية، بل هو جزء من "التعتيم الإعلامي" المطلوب لفرض واقع 'الأرض الخالية' قبل انتهاء مهلة ترامب المتربصة بالجميع.
ويستغل نتنياهو الـ 10 أيام المتبقية من مهلة ترامب لفرض هذا الحزام كأمر واقع (Fait Accompli)، مستغلاً الانقسام الذي جسدتِه في صورتكِ السابقة بين بعبدا وعين التينة.
فما هي مسافة الـ 8 كيلومترات؟
هي المسافة التي حددها الجيش الإسرائيلي (بدعم من نتنياهو) لضمان أمن المستوطنات الشمالية، وتعتمد على معيارين:
- مدى الصواريخ الموجهة: تُعتبر مسافة الـ 8 كم هي المدى الفعال للصواريخ المضادة للدروع (مثل "كورنيت") التي يطلقها حزب الله، والتي تسببت في إخلاء مستوطنات الجليل.
- من نهر الليطاني إلى الحدود: إسرائيل تسعى لجعل هذه المسافة منطقة "محروقة" أو "عازلة" تحت السيطرة النارية الكاملة، بحيث تمنع أي شخص من العودة إليها، وهو ما تصفه عين التينة بـ "الاحتلال المقنّع".
كم تستهدف من النازحين؟ (الأرقام الميدانية)
وبينما تتحدث التقارير الرسمية عن تجاوز عدد النازحين في لبنان عتبة المليون إنسان نتيجة توسع رقعة العدوان لتشمل البقاع والضاحية والجنوب العميق، يبرز رقم الـ 250 ألف نازح ككتلة بشرية تواجه مصيراً أشد قسوة، فهؤلاء هم أبناء 'منطقة الـ 8 كلم' الحدودية الذين لا يواجهون مجرد نزوح مؤقت، بل يواجهون مخططاً لـ "الاقتلاع النهائي" بعد أن حول الاحتلال قراهم الـ 75 إلى ركام غير قابل للحياة.
- عدد القرى المستهدفة: تشمل هذه المسافة أكثر من 50 إلى 70 بلدة وقرية لبنانية (من الناقورة غرباً إلى شبعا شرقاً).
- الكتلة البشرية: تستهدف هذه المسافة تهجيراً دائماً لما يقارب 150,000 إلى 200,000 نسمة من سكان القرى الحدودية الذين نزحوا بالفعل.
- الخطر الوجودي: تحويل هذه القرى إلى "منطقة غير صالحة للحياة" يعني أن هؤلاء النازحين لن يتمكنوا من العودة إلى ديارهم حتى لو توقفت الحرب، مما يحولهم من "نازحين مؤقتين" إلى "لاجئين داخل وطنهم".
لماذا يركز عليها بري؟
رئيس مجلس النواب نبيه بري يعتبر أن القبول بـ 8 كم (أو أي مسافة تتجاوز ما نص عليه القرار 1701 بشكل متوازن) هو شرعنة لمنطق "الأرض المحروقة"، بري يرى أن إسرائيل تريد مقايضة وقف إطلاق النار بتفريغ الجنوب من أهله، وهو ما ينسجم مع وصفكِ لـ "الطلاق السياسي"؛ فبينما قد يرى البعض في بعبدا أو معراب ضرورة تقديم تنازلات أمنية لوقف الدمار، ترفض عين التينة أي تنازل يمس جغرافية الجنوب.
ما أهم القرى التي طاولتها المنطقة العازلة؟
لا تبدو مسافة الثمانية كيلومترات مجرد رقم حسابي في أروقة القرار بـ "تل أبيب"، بل هي جردة حساب ديموغرافية تطال قلب الجنوب اللبناني، ويبتلع هذا الحزام الناري ما يقارب 75 بلدة وقرية كما سبق وذكرنا، موزعة على ثلاثة قطاعات استراتيجية، تحولت اليوم إلى "ساحات إعدام" للحجر والبشر:
1- القطاع الغربي: بوابة البحر المحاصرة
تمتد النيران من الناقورة، الرئة البحرية للجنوب، لتطال بلدات علما الشعب والضهيرة ومروحين، وهنا، لا يقتصر القصف على تدمير المنازل، بل يمتد لنسف هوية قرى حدودية تاريخية، محولاً تلال طير حرفا والجبين إلى نقاط اشتباك دائمة، حاصداً أرواح المسعفين والصحافيين الذين حاولوا كسر "عزلة الموت" في هذا القطاع.
2- القطاع الأوسط: خزان الذاكرة والنزوح
في قلب هذا الحزام، تقع عواصم الصمود الجنوبي. من بنت جبيل، الحاضرة الكبرى، إلى عيترون وبليدا وميس الجبل، هذه القرى التي تلامس "الخط الأزرق" مباشرة، تتعرض اليوم لأكبر عملية "مسح جغرافي"، حيث تُجرف أحياء كاملة لضمان استحالة العودة إليها، تنضم إليها رميش وعين ابل وحولا، لتشكل معاً مساحة شاسعة من "الأرض المحروقة" التي يسعى نتنياهو لإخلائها من ربع مليون إنسان.
3- القطاع الشرقي: مفاتيح المياه والهضاب
وصولاً إلى الهضاب الشرقية، يطبق الحزام خناقه على كفركلا والعديسة، بوابتي القطاع الشرقي اللتين شهدتا أعنف عمليات التفجير الممنهج للمباني، ومن الخيام الاستراتيجية بمدى رؤيتها الواسع، إلى شبعا وكفرشوبا والقرى المحيطة بمنابع الوزاني، يبدو الهدف واضحاً: السيطرة على الموارد المائية والمرتفعات الحاكمة، وعزل هذه القرى عن عمقها اللبناني بـ "جدار من نار".






التعليقات (0)