بيئة

كلمتين عالسريع... ديوز وديون!!

كلمتين عالسريع... ديوز وديون!!

صرخوا وصرّحوا عن إيراداتٍ محتملة يمكن تأمينها من الأملاك البحريّة والنهريّة والمقالع والمحافر، وكلّها أملاك وأصول عامّة... مُغتصبة. نحن أمام معضلة أخلاقيّة تحويل الجريمة إلى فرصة إيراد، بدل أن نرفع التعدّي ونُحاسِب المُعتدي؟!. حتّى رئيس الحكومة، بتاريخ 22 شباط/فبراير 2026، شرح على الشاشات كيف أصدرت الحكومة أوامر بتحصيل الإيرادات، وعن مسح جديد من النهر الكبير إلى الناقورة للمخالفات والتعدّيات، تنفّذه وزارة الأشغال العامّة بالتعاون مع الجيش، إضافةً إلى تخمينٍ جديد لقيمة العقارات، مع جملة مُضحكة مُبكية: "لأنّ التعدّيات زادت وتجدّدت".


فبماذا يُفترض أن يشعر المرء؟ هل يُعقل أن يخالف ويتعدّى ويغتصب ويحتلّ أملاكاً عامّةً بحريّة، ليدفع لاحقاً رسوماً وغرامات الخ. فيكمل ويمضي بحاله وكأنّ شيئاً لم يكن؟. يبدو أنّ الأمر سيتحوّل غداً إلى مجرّد رسومٍ ... وهكذا يتم ويستمر الاستيلاء الكامل على الأملاك العامّة الأرض والشاطئ والسّبع موجات، في المسار نفسه والمصير ذاته الذي أصاب الأملاك الأصول العامّة النهريّة والسهليّة والجبليّة.


ما يُثير الصدمة أنّ بعض من يُفترض أنّهم من دعاة البيئة، مناصرين وإعلاميّين بيئيّين ومعهم وزارة البيئة تحديداً، باتوا يطالبون بـالديوز للخزينة الوطنيّة من خلال مبدأ "الملوّث يَدفع" في أسوأ تفسيرٍ ممكن!! فالمسار والمصير المتكرّران هما أن يخالف ويتعدّى ويغتصب ويحتلّ الأملاك العامّة النهريّة والسهليّة والجبليّة، ثمّ يدفع رسوماً وغراماتٍ أو ديوز وديون ليمشي بحاله (وهو ما لن يحصل من قبل أصحاب النفوذ بحسب ما قاله رئيس الحكومة). وبهذا، تتم التسوية ويتم العفو العام ويستمر الاستيلاء الكامل على الأرض بما فيها وعليها.


حفريّاتٌ وتفتيتٌ نيتراتيّ تفجيريّ ينهش الجبال والوديان بجمادها وحياتها، وتدمير بيئيّ يُشكّل جريمة موصوفة ضدّ الإنسان والبيئة معاً. النضال الحقيقيّ يجب أن يتّجه نحو تفكيك وإزالة هذه "المنظومات" التي تعمل خارج الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي، وأن يُفكّ ارتباطها بشكلٍ نهائيّ ودائم عن البشر والحجر والشجر. سبق أن كتبت أنّ مطالبة هذه المنظومات بدفع رسوم، ديوز للخزينة، أو تحصيلات أو تعويضات بالمتر هي في جوهرها "تسويات باتجاه عفو عام"، وللأسف تُطرح تحت شعار "الملوّث يدفع"، وهو مبدأٌ "عم يبكي بالزاوية 😥". من الضروريّ أن ننتقل من منطق "البيئة" إلى منطق "التنمية المستدامة"، فالكلام الذي يُقال مثل "لم يتمّ احتساب التعويض عن الألم والمعاناة" على لسان وزارة البيئة، إنّما هو مؤشّر وتأكيد لما كنتُ أقوله منذ زمن.


نصيحتي ألّا نُغفل أو نسقط الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي حين نتحدّث عن "مواجهة التحدّيات البيئيّة وتحويلها إلى محرّكات وفرصٍ للنموّ والازدهار" بحسب ما قالته وزارة البيئة، لأنّ المواجهة الحقيقية تكون بتفعيل هذه الخطّة على المستوى المحليّ وتصميم مخطّطات لامركزيّة للتنمية المستدامة باعتبارها استراتيجيّةً شاملةً بكلّ معنى الكلمة. تفكيك منظومات الموت الأحمر يعني إزالتها إزالةً تامّة ونهائيّة وتحرير الأملاك والأصول العامّة، وهدم ودك كلّ التعدّيات، واستعادة الأصول النهريّة والسهليّة والجبليّة والساحليّة والبحريّة.برأيي، هناك بعض من مناصري البيئة وإعلاميّيها وحتّى في وزارة البيئة من وقعوا في فخّ "الديوز للخزينة الوطنيّة". إنّ منظومات المقالع والمرامل والمحاجر ومحارقها ومرافئها يجب أن تُزال مرّةً واحدةً وإلى الأبد وكذلك التعدّيات والمخالفات على الساحل والشاطئ والبحر وموجاته يجب أن تُزال مرّةً واحدةً وإلى الأبد.


باختصار، الأملاك والأصول العامة (البرّية والبحرية وغيرها) مخصّصة لمنفعة عامة ولا تُباع ولا تُكتسب بالتقادم، ومبدأ "الملوّث يدفع" يجب أن يُطبّق باستعادة الأملاك العامّة أوّلاً، وإجبار مغتصبيها ومحتلّيها على التنظيف والترميم الكامل، ودفع التعويضات كاملةً عن الألم والمعاناة. بمنطق مبدأ "الملوّث يدفع"، الأصل أن الدولة لا «تكافئ» التعدّي بتحويله إلى علاقة تعاقديّة مربحة، بل تُنهيه وتستوفي الغرامات والتعويضات. أن الغرامة يجب ألّا تتحوّل إلى "ثمن شراء للملك العام"، وأن تحصيلها لا يُغني عن إزالة التعدّي، وإلا أصبحت الدولة شريكاً في الجريمة بدل أن تكون حارساً للمنفعة العامة.


أن الصراخ والتصريحات والممارسة الفعليّة خلطت بين مبدأين: حماية الملك العام، و"الحاجة المحاسبيّة إلى إيرادات"، وغالباً جاء ذلك على حساب مبدأ الردع والعدالة وإنهاء الإحتلالات والإستيلاءات.


لبنان: مبدأ "الملوّث يدفع" في أسوأ تفسير!!


دَك منتجعات ألميريمار، الإخيدو، ألميريا في إسبانيا! (الصورة الرئيسية المرفقة من www.geyvan.com).

عباس إبراهيم زهر الدين

مهندس زراعي وباحث بيئي

تابع كاتب المقال:

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يشارك رأيه.

أضف تعليقك

سيتم نشر التعليق بعد مراجعته من الإدارة.