بيئة

سارقة الضوء: كيف يكسر حيوان بحري قوانين الطبيعة ليعيش كالنبات!

سارقة الضوء: كيف يكسر حيوان بحري قوانين الطبيعة ليعيش كالنبات!

في أعماق المياه الضحلة على السواحل الأطلسية، يعيش كائن صغير يتحدى كل ما تعلمناه في كتب الأحياء عن الفرق بين الحيوان والنبات، هي "إيليزيا كلوروتيكا"  (Elysia chlorotica)، بزاقة البحر الخضراء الزمردية التي لا تكتفي بالتهام طعامها، بل تسرق "سر الحياة" منه.


فـElysia chlorotica   أو "بزاقة البحر الخضراء الزمردية" هي واحدة من أكثر الكائنات الحية إثارة للدهشة في عالم الأحياء، فهذه الرخويات البحرية الصغيرة، لا تكتفي بالتغذي على الطحالب، بل تسرق منها قدرتها الخارقة على التمثيل الضوئي، وتمثل بالتالي "الحلقة المفقودة" بين الحيوان والنبات.


فهذا الكائن المذهل يعمل بالطاقة الشمسية، ويشبه في شكله ورقة شجر خضراء، ويمتلك قدرة فريدة تسمى "سرقة البلاستيدات" Kleptoplasty، أو أنها تقوم بعملية "قرصنة بيولوجية"، حيث تتغذى هذه البزاقة على نوع معين من الطحالب البحرية يُدعى Vaucheria litorea، ولكن بدلاً من هضم الخلايا بالكامل، تقوم بامتصاص البلاستيدات الخضراء وهي المسؤولة عن التمثيل الضوئي وتقوم بتخزينها في خلايا جهازها الهضمي.


وبمجرد أن تمتص البلاستيدات الخضراء، تتحول البزاقة إلى كائن "ذاتي التغذية"، إذ تستطيع العيش لمدة تصل إلى تسعة أشهر دون تناول أي طعام، معتمدة كلياً على ضوء الشمس لإنتاج الطاقة أي السكر عبر التمثيل الضوئي، كما تتطور شكل جسدها ليكون مسطحاً وعريضاً ليعمل كلوح طاقة شمسية طبيعي، وهذه العملية تغطي دورة حياتها بالكامل تقريباً، حيث تعيش عادة لمدة عام واحد فقط.


وقد حيرت هذه البزاقة العلماء لسنوات، فالبلاستيدات الخضراء تحتاج إلى بروتينات معينة لتعمل، وهذه البروتينات مشفرة في جينات الطحالب، وليس لدى الحيوانات، وفي هذا المجال، كشفت الأبحاث أن هذه البزاقة قامت بعملية "نقل جيني أفقي" Horizontal Gene Transfer، حيث نقلت بعض جينات الطحالب إلى حمضها النووي الخاص لتتمكن من صيانة وتشغيل البلاستيدات المسروقة.


وكون هذه البزاقة تشبه ورقة الشجر، فهذا  يوفر لها تمويهاً مثالياً ضد المفترسات في مستنقعات الملح والمياه الضحلة حيث تعيش على طول الساحل الشرقي للولايات المتحدة وكندا.


وعلى الرغم من القدرات "الخارقة" التي تمتلكها بزاقة Elysia chlorotica، فهي تتعرض لتحديات بيولوجية وبيئية معقدة كبيرة، فبينما تبرز Elysia chlorotica  كرمز لمدى تعقيد وترابط الطبيعة، فالتلوث بالمبيدات والبلاستيك في البحار والمحيطات، يعني القضاء على مصدر حياة هذه الكائنات الفريدة التي تعتمد على توازن دقيق جداً بين عالمي الحيوان والنبات.


 ومن هذه التحديات التي تهدد بقاءها كنوع فريد، فإن اعتمادها على مصدر واحد من الطحالب وهو Vaucheria litorea، فإن تضرر هذه الطحالب بسبب تلوث المياه أو تغير ملوحتها، فلن تجد البزاقة "المصنع" الذي تسرق منه البلاستيدات، مما يعني نفوقها حتماً، فهي لا تستطيع استخدام بلاستيدات من أنواع أخرى من النباتات، كما وأن البلاستيدات الخضراء التي تسرقها البزاقة هي أجزاء من خلية نباتية وليست كائناً مستقلاً، لذا فهي تتعرض للتلف بمرور الوقت بسبب الجذور الحرة الناتجة عن عملية التمثيل الضوئي.


وبما أن هذه البزاقة حيوان، فإن قدرتها على إصلاح أعطال "المصنع النباتي" محدودة جداً مقارنة بالنبات الأصلي. بمجرد أن تبدأ البلاستيدات في التحلل بعد عدة أشهر، تبدأ البزاقة في "الجوع" تدريجياً وتفقد لونها الأخضر الزمردي حتى تموت.


كما وكونها تعيش في مستنقعات الملح والمصبات المائية الضحلة على سواحل المحيط الأطلسي، فإن هذه المناطق هي الأكثر عرضة للتأثر بـ ارتفاع منسوب مياه البحر وتغير درجات الحرارة، فأي تغيير طفيف في درجة حرارة الماء يؤثر على كفاءة التمثيل الضوئي داخل جسدها، وقد يؤدي إلى "طرد" البلاستيدات أو موتها.


أما العدو الصامت المتمثل بالتلوث الكيميائي، فإن المبيدات على أنواعها التي تصل إلى الجداول والمصبات المائية تمثل سماً قاتلاً لهذه البزاقة، فهذه المواد لا تقتل الحيوان مباشرة فحسب، بل تدمر البلاستيدات الخضراء داخل جسده، مما يجرده من وسيلته الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، وبما أنه يجب على كل جيل جديد أن يجد الطحالب المناسبة فور خروجه من البيضة ليبدأ عملية القرصنة من الصفر، فأي انقطاع في توافر الطحالب خلال موسم التكاثر قد يؤدي إلى انقراض محلي للمجتمع في تلك المنطقة.


وفي الختام، فإن هذه البزاقة تمثل واحدة من أروع الأمثلة على التكيف والمرونة البيولوجية على كوكبنا، فماذا يمكن أن يتعلم علماء الطاقة المتجددة والهندسة الوراثية من هذا الكائن الصغير؟


 

سوزان أبو سعيد ضو

سوزان أبو سعيد ضو

Managing Editor

ناشطة بيئية وصحافية متخصصة بالعلوم والبيئة

تابع كاتب المقال: