بيئة

السلام والبيئة في العصر المعاصر

السلام والبيئة في العصر المعاصر

لم يعد مفهوم السلام في الأدبيات المعاصرة يقتصر على غياب النزاع المسلح، بل أصبح يُنظر إليه بوصفه حالة مركّبة تتداخل فيها العدالة الاجتماعية والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية وبناء الثقة بين مكونات المجتمع. وقد أسهمت مقاربات الأمم المتحدة، ولا سيما ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة، في ترسيخ هذا التحول المفاهيمي الذي يربط بين الاستقرار الإنساني والبيئة باعتبارها أساسًا للحياة والتنمية.


وفي السياق اللبناني، تتخذ هذه العلاقة بُعدًا أكثر إلحاحًا، نظرًا لتقاطع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع ضغوط بيئية متزايدة. ومن موقعنا في الحركة البيئية اللبنانية، نرى أن بناء ما يمكن تسميته «السلام البيئي» يستند إلى منظومة قيمية تبدأ بالاحترام، وتتبلور عبر الحوار، وتترسخ بالتسامح — وهي عناصر لا تقل أهمية عن الأدوات التقنية أو التشريعية في إدارة الموارد.


الإحترام: أساس حماية الموارد الطبيعية


يشكّل الإحترام نقطة الإنطلاق، ليس فقط بوصفه قيمة أخلاقية، بل كإطار عملي للإعتراف بحقوق الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية. ويظهر غياب هذا البعد بوضوح في عدد من التحديات اللبنانية، مثل:


* إزالة الغابات وحرائقها المتكررة في مناطق متعددة من لبنان،


* التوسع العمراني غير المنظم، الذي يؤدي إلى تدهور التربة وتلوث الموارد المائية،


* الضغط على الموارد المائية والنفايات الصلبة، الذي يهدد الأمن الغذائي والصحي،


* تلوث البحار والأنهار الناتج عن المخلفات الصناعية والزراعية.


فالتعامل مع الطبيعة كمورد قابل للاستنزاف دون ضوابط يعكس اختلالًا في منظومة القيم قبل أن يكون خللًا في السياسات.


الحوار: أداة إدارة الاختلاف


الحوار هو الأداة التي تمكّن المجتمع من إدارة التباينات حول استخدام الموارد وتحديد أولويات التنمية. وقد بيّنت تجارب عديدة في لبنان — مثل إدارة النفايات الصلبة، النقاشات حول المقالع والكسارات، أو التخطيط لاستخدام الأراضي الزراعية — أن غياب الحوار المؤسسي والعلمي يؤدي إلى حلول ظرفية تزيد من تعقيد المشكلة بدل حلّها.


وفي المقابل، أظهرت مبادرات تشاركية محلية، سواء على مستوى البلديات أو المجتمع المدني، قدرة الحوار على إنتاج مقاربات أكثر استدامة وتوازنًا.


التسامح: شرط لاستدامة الحلول


التسامح يمكّن المجتمع من تجاوز الاستقطاب والانقسام، ويفتح المجال أمام التعاون بين أطراف قد تختلف في الرؤية لكنها تتقاطع في المصلحة الوطنية العامة. وفي بلد متعدد البنى الاجتماعية والثقافية كلبنان، يصبح التسامح عنصرًا بنيويًا في إدارة الموارد البيئية المشتركة.


الأثر البيئي للنزاعات والاعتداءات


لا يمكن إغفال الأثر البيئي للنزاعات والاعتداءات العسكرية التي تعرّض لها لبنان، والتي تركت بصمات طويلة الأمد على النظم البيئية، بما في ذلك:


* تلوث التربة والمياه،


* حرائق واسعة في الغطاء النباتي،


* تدمير البنية الطبيعية والزراعية في مناطق متعددة،


* آثار مرتبطة باستخدام أنواع مختلفة من الذخائر.


وفي هذا السياق، تبرز مؤخرًا مؤشرات مقلقة تتعلق باستخدام العدو الإسرائيلي مركبات كيميائية، ومن بينها مبيدات أعشاب تحتوي على الغليفوسات، في جنوب لبنان، ما أدى إلى تدمير مساحات من الغطاء النباتي الطبيعي والزراعي. إن هذا النوع من الممارسات، في حال توثيقه علميًا، لا يشكّل مجرد ضرر بيئي موضعي، بل يطرح إشكاليات تتصل بالسيادة البيئية وحقوق المجتمعات المحلية في بيئة سليمة وآمنة. فالأرض ليست عنصرًا إنتاجيًا فحسب، بل هي ركيزة للهوية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، واستهدافها ينعكس مباشرة على التنوع الحيوي، وصحة التربة، والأمن الغذائي للمزارعين.


ومن موقعنا في الحركة البيئية اللبنانية، نرى أن حماية هذه الموارد تتجاوز البعد التقني لتصبح مسألة وطنية وأخلاقية، تستدعي تحركًا مؤسساتيًا عاجلًا لرصد الأضرار، وإطلاق برامج ترميم بيئي للأراضي المتضررة، وتقديم الدعم والتعويض للمزارعين المتأثرين، بما يعزز صمودهم واستمرارية نشاطهم. كما أن هذه التطورات تستوجب مساءلة دولية جدية، لأن حماية البيئة في سياقات النزاع ليست خيارًا سياسيًا، بل التزام منصوص عليه ضمن المبادئ الدولية لحماية الإنسان والطبيعة. إن التغاضي عن الأذى البيئي أو التعامل معه كمسألة ثانوية يفتح المجال لتكراره، بينما يشكّل توثيقه ومواجهته خطوة ضرورية لترسيخ مفهوم السلام البيئي الذي يقوم على احترام الأرض والإنسان معًا.


نشر ثقافة السلام البيئي


إن نشر ثقافة السلام في لبنان لا يمكن فصله عن نشر الثقافة البيئية. فالمدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات البحثية مطالبة بتعزيز الوعي بأن الاستدامة البيئية عنصر أساسي من عناصر الأمن الوطني. كما أن تمكين الشباب — الفئة الأكثر عرضة لتداعيات الأزمات — يشكّل استثمارًا في مستقبل أكثر استقرارًا وتوازنًا.


إن مسؤولية القيادات المدنية والفكرية والبيئية تكمن في الدفع نحو سياسات تعزز الاحترام المتبادل بين الإنسان وبيئته، وتفتح قنوات الحوار العلمي والمجتمعي، وتبني مساحات من الثقة والتسامح تسمح بإنتاج حلول مشتركة. ومن تجربتنا في العمل البيئي، يتضح أن بناء السلام يبدأ من الفرد لكنه لا يكتمل إلا عبر مؤسسات قادرة على ترجمة القيم إلى ممارسات.


في الخلاصة، يمكن القول إن السلام المستدام في لبنان لن يتحقق عبر المعالجات السياسية أو الاقتصادية وحدها، بل عبر ترسيخ ثقافة تعترف بأن استقرار المجتمع مرتبط بصحة بيئته، وأن الاحترام يقود إلى الحوار، والحوار يفضي إلى التسامح، وهذه جميعها تشكّل الأساس لبناء سلام إنساني وبيئي متكامل.

البروفسور حسان مخلوف

البروفسور حسان مخلوف

كاتب

رئيس الحركة البيئية اللبنانية

تابع كاتب المقال: