بيئة

توثيق الإبادة البيئية الإسرائيلية: رش كيميائي مركز وتدمير النظم الحيوية الحدودية في لبنان وسوريا

توثيق الإبادة البيئية الإسرائيلية: رش كيميائي مركز وتدمير النظم الحيوية الحدودية في لبنان وسوريا

وقف مختار عيتا الشعب يراقب طائرة إسرائيلية تحلق على علو منخفض قرب المنطقة الحدودية من قريته المجاورة للجليل الغربي، وإذ بها ترش رغوة كثيفة على الأراضي الحرجية والبساتين، يقول طحيني: "لن ترش علينا إسرائيل ماء الزهر أو الورد أو الأسمدة، لا بد من أنها تتبع سياسة الأرض المحروقة، خصوصا بعد أن تعافت الأرض من رش المواد الحارقة والفوسفور".


من جهته، صرح وزير الزراعة نزار هاني لموقع "العربي الجديد بالإنجليزية": "لم يكن هذا رشًا عشوائيًا، بل كان الهدف هو القضاء على الغطاء النباتي بالكامل وتحويل المنطقة إلى منطقة مكشوفة تمامًا، شريط قاحل".


في أوائل شباط/ فبراير 2026، قامت طائرات إسرائيلية برش مبيدات أعشاب كيميائية عبر الحدود الجنوبية للبنان، مُغطيةً ما يقرب من 8.5 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية والغابات ومراعي الماشية، بتركيزات من الغليفوسات تصل إلى 50 ضعفًا عن الاستخدام الزراعي المعتاد.


الغليفوسات


وقد أعلنت وزارتا الزراعة والبيئة اللبنانيتان في بيان مشترك 4 شباط/ فبراير أن عينات من التربة والنباتات أظهرت وجود مادة الغليفوسات، وهي مبيد أعشاب محظور في لبنان والاتحاد الأوروبي، وصنفته منظمة الصحة العالمية، ووكالة أبحاث السرطان التابعة لها، عام 2015، على أنه "مادة مسرطنة محتملة للإنسان".


والغليفوسات مبيد أعشاب جهازي غير انتقائي، يهاجم جذور النباتات، ويمنع نموها لمدة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات وعند تركيزات تتراوح بين 30 و50 ضعف المستويات الطبيعية، تبقى هذه المادة الكيميائية في التربة لفترات طويلة، مما يهدد المياه الجوفية، ويقضي على الكائنات الحية الدقيقة المفيدة في التربة، والتي تُعدّ ضرورية لخصوبة التربة.


وقد استهدفت عملية الرش شريطًا بطول 18 كيلومترًا على طول الحدود، يمتد عرضه من 300 إلى 500 متر من أطراف القرى المتاخمة للجليل الغربي (ابتداء من عيتا الشعب، راميا، مروحين، البستان- بركة ريشا، يارين والضهيرة)، وقد حلّقت طائرتان زراعيتان مدنيتان على ارتفاع منخفض لا يتجاوز خمسة أمتار فوق سطح الأرض، وقامتا برشّ مواد رغوية بيضاء فوق غابات تضمّ أشجار البلوط والبطم والغار، بالإضافة إلى أراضٍ زراعية مزروعة بالزيتون والتبغ والحبوب والخضراوات.


إبادة بيئية


وقال وزير الزراعة نزار هاني لموقع "العربي الجديد": "لم يكن هذا رشًا عشوائيًا، بل كان الهدف هو إزالة الغطاء النباتي بالكامل وتحويل المنطقة إلى منطقة مكشوفة تمامًا، جرداء أشبه بالصحراء".


تأتي هذه التكتيكات في إطار سياسة "الأرض المحروقة" الإسرائيلية المطبقة في غزة، والتي تقوم على إنشاء مناطق عازلة خالية من الغطاء النباتي لمنع تسلل المسلحين، وكانت القوات الإسرائيلية قد أزالت سابقًا شجرة العديسة الشهيرة داخل الأراضي اللبنانية وأزالت غابة صنوبر بين قريتي  الضهيرة وعلما الشعب خلال احتلالها جنوب لبنان، حيث جمعت بين إزالة الغطاء النباتي والرش المكثف للمبيدات، وفقًا لخبراء.


اكتسبت هذه الاستراتيجية زخمًا بعد عملية تسلل في 8 تشرين الأول/أكتوبر من قرية الضهيرة، أسفرت عن مقتل ضابط إسرائيلي وإصابة جنديين واستشهاد ثلاثة من المقاومين. وقد درس المخططون العسكريون الإسرائيليون أنماط الرياح والتضاريس قبل تنفيذ عملية الرش.


وقال جهاد عبود، نقيب الكيميائيين في لبنان والأستاذ المحاضر في كلية الزراعة الجامعة اللبنانية والخبير المحلف لدى المحاكم وهو خبير كيميائي شرعي لدى ادارة الجمارك البروفسور جهاد عبود: "حذرت إسرائيل قوات اليونيفيل والجيش اللبناني من أنها سترش الغطاء النباتي، لكنها لم تُنبه المدنيين إلى عدم تعريض أنفسهم أو مواشيهم للمواد، أو إلى تجنب استهلاك المنتجات الزراعية الملوثة".


ويُضيف " تسبب الرش بأضرار بيئية كارثية طاولت القطاع الزراعي اللبناني، الذي تضرر بشدة سابقا جراء القصف الإسرائيلي الذي استمر 13 شهرًا من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2024".


ووثّق تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أضرارًا زراعية مباشرة بقيمة 118 مليون دولار وخسائر اقتصادية غير مباشرة بقيمة 586 مليون دولار خلال تلك الفترة، وتركزت هذه الخسائر في جنوب لبنان والبقاع.


وأوضحت النائبة نجاة صليبا، أستاذة الكيمياء في الجامعة الأميريكية في بيروت،  لـ "العربي الجديد": "لا يُستخدم هذا المبيد العشبي كمادة نقية، بل كتركيبة تجارية تجمع بين ملح الغليفوسات ومواد فعالة سطحية تُحسّن اختراقه لأنسجة النبات، وقد تكون بعض الإضافات أكثر تهيجًا أو سمية من الغليفوسات نفسه، خصوصا عند رشه على شكل رذاذ".


ووفقًا لصليبا، تضم المنطقة المستهدفة غابات مختلطة وأراضٍ زراعية، تشمل غابات البلوط القديم والبطم والغار التي تُوفر موطنًا للحياة البرية؛ وبساتين زيتون تُنتج الزيت والصابون؛ ومزارع تبغ، وحقول حبوب (عدس، فول)، ومراعي ماشية، ومناحل.


وقال ماجد طحيني، مختار قرية عيطة الشعب، إن خسائره الشخصية تتجاوز 30 ألف دولار أمريكي، نتيجة فقدانه ثمانية دونمات من أشجار الزيتون وأربعة دونمات من التبغ التي لا يستطيع الوصول إليها.


قال طحيني: "كنتُ أحصد أكثر من مئة تنكة من الزيت سنويًا، ولكن لم نطأ أرضنا ولم نحصد أي زيتون منذ عامين، وينطبق الأمر نفسه على جميع سكان عيتا الشعب، فلم نستفد من الزيتون طوال عامين، ولا من الغار الوفير الذي كنا نستخدمه في صناعة الصابون وزيت الغار".


وقال محمد غنام، رئيس بلدية قرية مروحين في منطقة بنت جبيل المتاخمة لإسرائيل، إن نصف قريته لا يزال غير مأهول أو مغلقًا أمام الدخول، بما في ذلك مبنى البلدية وخزانات المياه وحي سكني رئيسي.


وأضاف: "لم يتمكن إلا المزارعون في الحي الغربي أحد المزارعين قرب أم الدود إلا من حصاد محاصيلهم، ونحن بانتظار نتائج وزارة الزراعة". وأشار إلى أن هذه ليست أول عملية رش إسرائيلية؛ ففي العام الماضي، أدى رش إسرائيل الموجه إلى موت أشجار الزيتون والأفوكادو في مناطق محظورة، لكن لم تُجمع أي عينات.


وشددت سارة سلوم، رئيسة الحركة الزراعية، على أن الهجوم لم يقتصر على الأراضي الزراعية، وقالت: "رشت إسرائيل أراضي حرجية تضم أشجار البلوط والبطم وأنواعًا أخرى بطيئة النمو، يصعب استبدالها. الآثار ليست قصيرة الأجل بل طويلة الأجل. أي انتهاك بهذا الحجم هو في المقام الأول انتهاك للسيادة واعتداء على الأرض".


وحذر الدكتور حسان مخلوف، رئيس الحركة البيئية، من أضرار بيئية متفاقمة، وأضاف: "يُسبب موت الغطاء النباتي أضرارًا جسيمة للتنوع البيولوجي النباتي والحيواني، التأثير على النباتات مباشر، بينما ينتج التأثير على الحيوانات عن كون الغابات توفر الموائل والغذاء للحياة البرية، مما يُجبر الحيوانات على الفرار أو يُعرضها للخطر"، وتابع: "قد تُسبب التركيزات العالية تسممًا مباشرًا للحيوانات والطيور، مما يؤدي إلى نفوقها وتدمير التنوع البيولوجي القائم".


وتابع: "يُشكل التعرض لمادة الغليفوسات بتركيزات عالية مخاطر صحية على الإنسان، بما في ذلك تهيج العين والجلد، وفي حالات نادرة، مشاكل خطيرة عند ابتلاعها. تربط الدراسات بينها وبين سرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكينية، مما دفع إلى حظرها في الاتحاد الأوروبي ومناطق أخرى".


وقال: "كما تُهدد هذه المادة الكيميائية تدهور التربة وإلحاق الضرر بالكائنات الحية الدقيقة فيها، وخصوبتها، وتماسكها، مما يؤدي إلى التعرية والتصحر، وتلوث المياه، مثل التلوث المحتمل للينابيع والمياه الجوفية المتصلة بالمناطق المستهدفة، واضطراب السلسلة الغذائية، بالإضافة إلى ذلك، تتلوث المنتجات الزراعية وأعلاف الماشية ومصادر المياه، مما يتسبب في خسائر فادحة في الثروة الحيوانية، بما في ذلك الأبقار والأغنام والماعز والدواجن، التي تضررت بشدة خلال الحرب.


الحرب البيئية


يمثل هذا الرش أحدث حملة موثقة لمبيدات الأعشاب الإسرائيلية في جميع أنحاء البلاد وكذلك على الحدود في سوريا، قامت طائرات إسرائيلية برش مبيدات أعشاب مجهولة على الأراضي الزراعية في ريف القنيطرة يومي 26 و27 كانون الثاني/يناير 2026، تلتها عملية رش ثانية في أوائل شباط/فبراير، مما تسبب في دمار واسع النطاق للمحاصيل، فيما وصفه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بأنه انتهاك صارخ للحق في العمل ومستوى المعيشة اللائق.


وأشار مدير الزراعة في القنيطرة جمال علي لمواقع محلية سورية، إلى أن حوالي 80 دونمًا من حقول القمح في قرية كودنا بريف المحافظة الأوسط قد تضررت جراء تعرضها لمواد كيميائية رشتها طائرات إسرائيلية.


وقال: "كان الضرر واضحًا، فقد مات محصول القمح بالكامل، مما تسبب في خسائر زراعية فادحة وأثر سلبًا على سبل عيش المزارعين الذين يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة والرعي".


وكشفت المسوحات الميدانية للمناطق التي رُشّت بالمواد السامة عن أضرار بيئية وزراعية جسيمة في المواقع المستهدفة، مع موت كامل للغطاء النباتي في المناطق المرشوشة، ولا سيما الأعشاب والنباتات البرية، مما يعكس الأثر المباشر والخطير لهذه المواد على البيئة الطبيعية.


وقال مدير البيئة في القنيطرة علي إبراهيم، وفق ما أفادت وسائل إعلام محلية بأن قرى كودنا والعشة والرفيد، الواقعة على طول خط وقف إطلاق النار، تعرضت لرش مواد كيميائية مجهولة من طائرات زراعية إسرائيلية في 25 كانون الثاني/ يناير ، "في انتهاك صارخ لجميع الاتفاقيات الدولية".


وصرح الدكتور موفق الشيخ علي، المستشار البيئي، لـ "العربي الجديد" (TNA): "حتى الآن، لا يوجد تقرير سوري رسمي يوضح طبيعة المادة المستخدمة، لذا أعتمد على تقارير وزارة البيئة اللبنانية، التي كشفت أن المادة هي الغليفوسات، وتشير الظواهر التي ظهرت على النباتات في سوريا إلى وجود مادة الغليفوسات، ولكن لم يصدر حتى الآن أي تقرير رسمي بهذا الشأن".


ويُعدّ رش القنيطرة استمرارًا لنمط موثق في المنطقة، حيث بلغت عمليات مماثلة ذروتها في أعوام 2014 و2018 و2021، وتكررت الحوادث في عام 2026 بالتزامن مع تصعيد عسكري في المناطق العازلة.


وبينما لا يُصنّف الغليفوسات كسلاح كيميائي بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، فإن القانون الدولي يُحدّد معايير حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة.


وتحظر اتفاقية ENMOD لعام 1976 استخدام تقنيات التعديل البيئي العدائية التي تُسبّب آثارًا واسعة النطاق أو طويلة الأمد أو شديدة. ويُلزم القانون الدولي الإنساني العرفي بتجنّب أساليب الحرب التي تُسبّب أضرارًا بيئية شديدة وطويلة الأمد وواسعة النطاق لا تُبرّرها الضرورة العسكرية.


وأشارت صليبا إلى أن "تحليلات القانون الدولي الإنساني الموثوقة تُقرّ بفرض قيود على استخدام مبيدات الأعشاب كأسلوب حربي عند إلحاق الضرر بالنباتات التي لا تُشكّل أهدافًا عسكرية".


تمت الترجمة بتصرف عن النص الإنجليزي لموقع "العربي الجديد" باللغة الإنجليزية، بالتعاون مع "إيجاب"

سوزان أبو سعيد ضو

سوزان أبو سعيد ضو

Managing Editor

ناشطة بيئية وصحافية متخصصة بالعلوم والبيئة

تابع كاتب المقال: