¡¡¡ حوض - أحواض 5 !!!
تسريع العمل في إنشاء المدن الصناعيّة لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية واقتصادية وبيئية وصحيّة وأمنيّة ملحّة. فالمشاريع والخطط موجودة كما أنّ الأمثلة حيّة (على الورق)، وفي مقدّمتها مدينة تربل الصناعيّة الواقعة في حوض نهر الليطاني في قضاء زحلة، على بُعد نحو 45 دقيقة من معمل "ميموزا" المعروف. وتُعدّ هذه المدينة - في حال تم تنفيذها وتشغيلها) نموذجًا لتكامل الاقتصاد والبيئة والمجتمع ضمن مقاربة علميّة حديثة.
تشير التقديرات إلى أنّ نحو 70% من الخلل في العلاقة بين البيئة والاقتصاد والمجتمع يعود إلى السياسات العامّة وضعف الحوكمة المحليّة والمركزيّة، بينما لا تتجاوز مسؤوليّة الصناعيين 13%، والمزارعين 10%. لذا فإنّ إعادة التوازن تتطلّب تدخلًا مؤسّسيًا فعّالاً، قائمًا على توجيه استراتيجي وتنظيمي واضح للقطاع الصناعي.
إنّ المدن الصناعيّة تُشكّل أحد أعمدة ما يُعرف بـ اقتصاد التجمّعات الصناعيّة (Economy of Clusters or Agglomerations)، وهو نموذج عالمي يجمع المؤسسات الإنتاجية والورش ضمن بيئة تكامليّة معرفيّة وبنية تحتيّة صُمّمت وفق المواصفات البيئيّة والفنيّة العالميّة. الهدف الأساسي هو تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصاديّة وحماية البيئة وضمان المعايير الصحيّة للعمال والمجتمعات المحيطة.
تمتدّ مدينة تربل–قوسايا الصناعيّة على مساحة تقارب 200 هكتار بين تربل وقوسايا، لتجسّد هذا المفهوم الرائد. غير أنّ المشروع ما زال يواجه غيابًا في الشفافية والتباطؤ في التنفيذ. والسؤال المطروح: هل نريدها نموذجية فقط على الورق؟ أم نطمح إلى تحويلها واقعًا فعليًا يخفّف الضغط البيئي عن حوض الليطاني ويخلق فرص عمل جديدة؟
إنَّ تفعيل مشروع مدينة تربل الصناعيّة سيُسهم في:
-حماية الموارد المائيّة من التلوّث الصناعي.
-خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
- دعم التنمية الإقليميّة في البقاع وخفض معدّلات الهجرة الداخليّة.
- تعزيز تنافسيّة الإنتاج الصناعي الوطني.
- خفض العجز التجاري الذي يتجاوز 15 مليار دولار سنويًا.
تتوافق رؤية وزارة الصناعة ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعيّة (UNIDO) في هذا المشروع Ideal Industrial Zone مع الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانيّة، إذ تقوم على مبادئ التنمية المستدامة وحماية الموارد الطبيعيّة. فالموقع يتميّز بخصائص تجعل منه خيارًا مثاليًا:
-أرض صخرية غير مأهولة مصنّفة صناعيًا (الفئة الثانية).
- موقع مفتوح على البقاع وقريب من الحدود السوريّة.
- سهولة في المداخل والمخارج.
- بنية تحتيّة مستدامة تشمل شبكات مياه وطاقة ومحطّة متطورة لمعالجة المياه الصناعيّة.
- حوافز ضريبية، وتأجير تحفيزي دائم لجذب المستثمرين.
- برنامج متكامل للعدالة التنمويّة ورفع القدرة الشرائيّة.
- أنظمة صارمة لمعايير السلامة المهنيّة ومراقبة فعّالة للمخلّفات الصلبة والسائلة والغازيّة.
إنّ نجاح هذا النموذج في حوض الليطاني الأعلى يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل وطنية تُعاد من خلالها صياغة العلاقة بين البيئة والصناعة والمجتمع. فـتسريع تنفيذ المُدن الصناعيّة الحديثة المستدامة، وعلى رأسها مدينة تربل–قوسايا الصناعيّة، هو خطوة أساسيّة لإحياء الاقتصاد الإنتاجي، واستعادة الثقة في السياسات الصناعيّة، وبناء شبكات أمان اجتماعي وبيئي مستدامة. إلى متى سيبقى هذا المشروع في خانة الدراسات؟ ولمصلحة من التعتيم عليه؟ إنّ البدء الفعلي بتنفيذه اليوم هو شرط لإعادة التوازن والمساهمة في حماية الثروة المائيّة واقتصاد لبنان معًا.
إنّ المضيّ بهذا المشروع لا يعني فقط النهوض بالاقتصاد الإنتاجي، بل يفتح الباب أمام تثبيت المجتمعات المحليّة، وخلق شبكات أمان اجتماعيّة واقتصاديّة في حوض الليطاني، ورفع مستوى المعيشة، والحدّ من النزوح الداخلي والهجرة في بلد بلغت فيه البطالة نحو 51%، والعجز التجاري حوالي 15 مليار دولار سنويًا — أرقام تعبّر عن أزمة بنيوية تحتاج إلى حلول إنتاجية مستدامة.
Rethink & Recover
ملاحظة: الجزء الثاني ينشر قريبا





